الصفحة 155 من 167

جاء في نقاط الشكلات أن أبا الأسود طلب من زياد أن يُبْغيه كاتبًا لَقِنًا يفعل ما يقوله أبو الأسود له، فإذا فتح شفتيه نقط فوق الحرف نقطة، وإن ضم شفتيه نقط بين يدي الحرف نقطه. وإذا كسر شفتيه نقط تحت الحرف نقطة.

قلت: وفي هذا الخبر على صحته أمر مشكل للمتأمل، على أن رفع هذا الإشكال يسير، والحمد لله.

أما المشكل في الخبر فهو أن أبا الأسود قد ضبط حركات الشفتين بشفتيه، ورسم النقاط بيد كاتب، وكان الأيسر عليه أن يرسم النقاط بيده، وهذا يعرف بالتجربة البسيطة، فأن تَشكُلَ نصًا أنت تقرؤه أيسر من أن تقرأ أنت النص ثم يشكله غيرُك بقراءتك.

ورفع هذا الإشكال يسير -والحمد لله- جاء في صفة أبي الأسود رحمه الله على ما ذكره ابن قتيبة أنه كان:"يعد في الشعراء والتابعين والمحدثين والبخلاء والمفاليج والعرج والنحويين" [1] . ووصفه الجاحظ بأنه كان يعد في العرجان والمفاليج [2] . ووصفه أبو الفرج بأنه كان"معدودًا في التابعين والفقهاء والشعراء والمحدثين والأشراف والفرسان ..." [3] .

قلت: ووصف أبي الأسود بأنه كان من الفرسان والعرجان مشكل أيضًا، فإن الفارس لا يكاد يكون كذلك إلا وهو سليم الأعضاء، قلت: و فض الإشكال في هذه المسألة والتي قبلها أن أبا الأسود كان فارسًا في حداثته وقوته؛ وذلك قبل أن يصيبه الفالج وهو شلل يصيب شِقّي الجسم طولًا [4] ، فلما أصيب بذلك أصابه العرج فَعُدَّ في العرجان، ثم لما كان الشلل قد أصاب يده التي يكتب بها فقد أحوجه ذلك إلى كاتب لَقِنٍ يكتب بين يديه.

(1) تاريخ النحو العربي: علي أبو المكارم، ص 23، وأرجع إلى الشعر والشعراء، ص 280.

(2) المرجع السابق، ص 29، وارجع إلى البيان والتبيين، 1/324.

(3) المرجع نفسه، ص 29، وارجع إلى الأغاني، 12/299.

(4) المعجم الوسيط: فَلَجَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت