فهرس الكتاب
وإذا كان أصل الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما في مسألة سياسية وهو خلاف جرى بعد عهد الخلفاء الراشدين الثلاثة الأولين، فإن تلك الجماعة المنفعلة نفسيًا سحبوا أوصاف الفضل والثناء حتى على من كان قبل علي رضي الله عنه من الخلفاء الراشدين، فصار من قولهم: إن عليًا أفضل من معاوية وعثمان وعمر وأبي بكر، من غير أن يسبوهم، وهو قول تسرب إلى الزيدية وهم أصحاب زيد بن علي بن الحسين، وإن لم يقل به زيد بن علي نفسُه.
الطور الثالث: الشعوبية المتشايعة
نشأت مع حركة الفتوح الإسلامية حركة الشعوبية، وهي حركة مجوسية كانت حاقدة على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنهم أزالوا ملك ساسان وأخمدوا نار المجوس، حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب استشهد بغدرةٍ من أبي لؤلؤة المجوسي [1] .
(1) لما طعن أبو لؤلؤة المجوسي لعنه الله أمير المؤمينن عمر في المسجد هرب فلما أدركه المسلمون طعن نفسه فمات، فقال عمر:"الحمد الله الذي لم يجعل منيتي بيد رجل يدعي الإسلام"، فيكون قبر المجوسي قريبًا من المدينة، لكن الشعوبية المتشايعة تزعم أنه هرب فخبّأه علي وكان علي قاعدًا على دكة امام بيته فتحول من موضعه إلى دكة أخرى، فلما مر الناس من أمامه، سألوه: هل مر من أمامك أحد، فقال: لا، فيزعمون انه لم يكذب لأنه إنما قصد أنه لم يمر أحد من أمامه في موضعه الذي تحول إليه، ثم يزعمون أنه أعطى المجوسي فرسًا فبلغته في لحظات مدينة كاشان من بلاد الفرس ثم مات هنالك، فمن ذلك تعظم الشعوبية المتشايعة ذلك القبر ويطوفون به. قلت: وقد فات من وضع هذه الخرافة على علي رضي الله عنه أن يفسر سبب جلوس علي رضي الله عنه على دكة بيته في وقت صلاة الفجر، فإن جلوسه في ذلك الموضع سيثير عليه الشبهة، ولكن ما على الكذاب على الأغبياء أن يتقن.