الصفحة 161 من 167

فكانوا بذلك كما قال الله تعالى عمن أشرك بالألوهية [1] :

(1) توحيد الله تعالى ثلاثة أقسام: توحيد الله بالربوبية وهو الإيمان أن الله هو الرب الخالق الرزاق الوهاب مالك الملك بيده الخير والضر سبحانه وتعالى. (فالحركة في الربوبية حركة نازلة من الأعلى إلى الأدنى) وتوحيد الله بالألوهية: وهو الإيمان بأن الله هو المبعود وحده بحق، ومخ العبادة الدعاء، فلا يسأل العبدُ إلا الله، ولا يستعين إلا بالله، ولا يرجو ولا يخاف إلا الله، (فالحركة في الألوهية حركة صاعدة من الأدنى إلى الأعلى) ، وأما أن يجعل العبد بينه وبين الله وسطاء وشفعاء كما تقول النصارى (يا يسوع، ويا مريم) أو كما تقول الشعوبية المتشايعة (يا حسين، يا علي، يا زهراء) فكل ذلك من الشرك بالألوهية.

وتوحيد الله بالأسماء الحسنى هو الإيمان أن الله سبحانه وتعالى متصف بصفات الكمال كلها، ومن ذلك علمه بالغيب وقدرته عليه، أما قول الشعوبية على الله سبحانه وتعالى عما يصفون"إنه بدا له أن يفعل"فهو كفر، لأن وصف الله سبحانه بالبَدَاء وصف له سبحانه بنقص العلم سبحانه وتعالى عما يصفون. =

ولقد سمعت بعضهم ممن له منزلة عندهم يقول عن الأئمة الذين يشركونهم مع الله في الألوهية يقول:"هم شفعاؤنا عند الله"فأتى بكلام المشركين بحروفه.=

=للأستاذ محمد أحمد باشميل بحث في كتيب عظيم القدر عنوانه (كيف نفهم التوحيد) ، جاء فيه:"وهكذا القبوريون اليوم، يُقَبِّلون أستار الضريح، ويطوفون حوله، ويزينونه، ويبنون القباب عليه، ويقربون له النذور، فهم بهذا عباد قبور صراحةً، وعباد أولياء ضمنًا."

ثم هم في طوافهم حول الضريح يدعون صاحبه الميت، ويستغيثون به ويستنجدون، ويطلبون المدد، فإنهم بهذا عباد أولياء صراحةً، وعباد قبور ضمنيًا ... وإن سميتهم عباد أوهام وشهوات فأنت صادق، فعابد القبر إنما فَتَنهُ هواه فأضله فعبده .. واستمع ما قاله الأستاذ عبد الرحمن الوكيل في كتابه (دعوة الحق ص 62) : ...

وهذا هو سر التعبير أحيانًا بـ (من) في موضع والتعبير بـ (ما) في موضع في القصة الواحدة في القرآن، أو سر التعبير بما له من دلالة على ما يعقل، وبما له دلالة على ما لا يعقل في الموضع الواحد .. فتختص (من) بذاته (أي ذات الولي) وتختص (ما) بالصنم أو القبر الذي أقيم باسمه قال تعالى: { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } [الأحقاف: 5] ، وفي الآية التي قبلها { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ } [الأحقاف: 4] ، فعبر عن شيء واحد بـ (من لا يستجيب) وبـ (أرأيتم ما تدعون) .

قلت، (والقول لي) : وانظر إلى التعبير القرآني (ماذا خلقوا) فأسند الفعل إلى ضمير الجماعة العاقل، ولم يقل:"أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقت من الأرض"لأن المقصود بالاسم الموصول (ما تدعون) هي الأصنام غير العاقلة، أما المقصود من واو الجماعة في (خلقوا) هم الأولياء الصالحون العقلاء.

وضرب محمد أحمد باشميل مثالًا آخر في قوله تعالى: { وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (70) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (71) قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (72) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (73) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آَبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (74) قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ } [الشعراء: 69-77] . =

قال إبراهيم عليه السلام (هل يسمعونكم) بعد أن قالوا (نعبد أصنامًا فنظل لها عاكفين) لتفهم بأنه يقصد بضمير العاقل من أقيمت لهم هذه الأصنام، وإلا لقال لهم هل تسمعكم (أو تنفعكم أو تضر) ، ثم ذكر"أفرايتم ما كنتم تعبدون"وبعدها ذكر"فإنهم عدو لي إلا رب العالمين"مما يشعرك أن إبراهيم عليه السلام يقصد الأصنام بقوله:"أفرأيتم ما كنتم"، ويقصد من أقيمت بأسمائهم الأصنام في قوله (فإنهم) ، وإلا لقال (فإنها) عدو لي، ولم يقل (فإنهم) لأن هم ضمير العقلاء". بتصرف عن"كيف نفهم التوحيد: محمد أحمد باشيل، ص 80-83.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت