الصفحة 163 من 167

قلت: وينبغي على المنصف أن يفرق بين الشعوبية المتشايعة والمسلمين من أهل فارس: فأهل فارس منهم المؤمن الصادق كسلمان وأبي حنيفة وسيبويه والكسائي، ومنهم المجوس الشعوبيون الذين تزَيّوا بزي الإسلام، وقلوبهم مغلولة عليهم، فأحلوا الحرام وتركوا الواجب، كقولهم بنكاح المتعة وقد حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر، وأكلهم خمس أموال الناس بالباطل كما فعلت الأحبار والرهبان: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ } [التوبة، 34] .

وإبطالهم صلاة الجمعة والعيدين بزعمهم أنه لا صلاة إلا بإمام، والإمام غائب، وتركهم صلوات الإسلام الخمس، وجعلوا محلها ثلاث صلوات عند الفجر وعند الظهر ويسمونها صلاة الظهرين، وعند المغرب ويسمونها صلاة العشاءين.

... ومن منكرات الشعوبية المتشايعة قولهم برجعة من مات من كبار الصحابة ورجعة أئمتهم ليثأر هؤلاء من أولئك. وإنك إن أنعمت الفكر لألفيت أن من قال بالرجعة فقد شك بالبعث؛ ذلك أن القائل بالرجعة إنما قال بها؛ لأنه ظن أن من مات من الصحابة فقد فاته العقاب المزعوم عنده، فلما كان ذلك أحرقته الحسرة، فأراد أن يسلي نفسه، فجعل يسليها بقوله إن من مات سيرجع إلى الحياة الدنيا فيعاقب على ما فعل، وإنما قال القائل ذلك لشكه بأن الله يبعث من في القبور فيقفون بأجسادهم وأرواحهم بين يدي الله تعالى.

... ومن عجيب الشبه بين الشعوبية المتشايعة واليهود، أن اليهود ينتظرون المسيح الذي سيقتلون به العالم، وتنتظر الشعوبية المتشايعة المهدي الذي سيقتلون به تسعة أعشار العرب. وإذا كان المسلمون يؤمنون بنزول المسيح وخروج المهدي فإنهم غير متعلقين بهما ذلك التعلق الشديد، وإن كان إيمانهم بيوم القيامة نفسه عظيمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت