الصفحة 69 من 167

أما المجيب فقد وَهَّمَ على السامع إذ جعل قول الكوفة بالمخالفة بين نوعي الخبر ينصرف إلى دلالة المخالفة بين المخبر عنه والخبر نفسيهما؛ فإذا كان الأصل فيهما الموافقة بينهما نحو: (زيدٌ قائمٌ) ، ومن ثم لزما حالة رفع الهواء، فقد وجب عندما تخالفا أن يلزما حالة نصب الهواء؛ لأن كلًا منهما مخالف لصاحبه، وقد قلت لك: وهذه من مماحلة الأقران في الرد بقصد تعمد التخطئة؛ فإنَّ الكوفة إنما قصدت التفريق بين نوعي الخبر لا بين المخبر عنه والخبر نفسيهما.

الشرح الثاني: شرح ثعلب من الكوفيين

وشرح ثعلب جملة: (زيدٌ أمامك) فقال: إنه"ينتصب لأن الأصل في قولك (أمامك زيدٌ) ، حلَّ أمامك، فحذف الفعل وهو غير مطلوب واكتفى بالظرف منه فبقي منصوبًا على ما كان عليه مع الفعل" [1] .

قلت: لقد جعل ثعلب جملة (زيدٌ أمامك) جملة فرعية على جملة (حلَّ أمامك زيدٌ) ؛ ولما كان الفعل غير مطلوب (أي إنه مفهوم ضمنًا) فقد حذف، وبقي ظرف المكان ملازمًا لحالة نصب الهواء على ما كان.

ويتبين من ذلك أن الاسم (زيدٌ) عند ثعلب، هو فاعل للفعل (حلّ) المحذوف والمفهوم ضمنًا، فالفعل هو الوتد السابق، و (زيدٌ) هو الموتود بالوتد. ويتبين أيضًا أن لفظ (أمامك) هو ظرف المكان للفعل (حل) ، ومن ثم فالفعل (حل) هو بمنزلة الوتد، واللفظ (أمامك) هو بمنزلة الموتود بالوتد.

وإيتاد (أي تعليق) الظرف بالفعل هو شرح البصرة غير أن وجه الفرق بينهما أن ثعلب قدم الفعل على الاسم وأَخَّرَت البصرة الفعل على الاسم، وسيأتي ذلك إن شاء الله.

(1) الإنصاف م29، ص/ 245.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت