فهرس الكتاب
إذًا، فطريقة التعليم عند ثعلب في جملة (زيدٌ أمامك) قائمٌ على تبيين المعنى السياقي في اللفظ (أمامك) ، وهذا المعنى السياقي هو أنه (ظرف مكان) ، ومن ثم فإن هذا المعنى السياقي سَيُتَّخذ وسيلة تعليمية لضبط حالة الهواء، فيقال للمتعلم: إذا كان لفظ (أمامك) ظرفًا لمكان حدوث الفعل فإنه يلزم حالة نصب الهواء، ثم كشف ثعلب عن الوتد السابق المعلق به لفظ (أمامك) ، وذلك الوتد هو الفعل (حل) ، وذلك لإحكام إفهام المعنى للمتعلم.
وكان الرد على أبي العباس بأن قيل:"وأما قول أبي العباس أحمد بن يحيى ثعلب: إنه ينتصب بفعل محذوف غير مقدر... ففاسد... وذلك لأنه يؤدي إلى أن يكون منصوبًا بفعل معدوم من كل وجه لفظًا وتقديرًا، والفعل لا يخلو، إما أن يكون مُظهرًا موجودًا أو مقدرًا في حكم الموجود، فأما إذا لم يكن مُظهرًا موجودًا ولا مقدرًا في حكم الموجود كان معدومًا من كل وجه، والمعدوم لا يكون عاملًا، وكما يستحيل الفعل باستطاعةٍ معدومةٍ، والمشيُ برجلٍ معدومةٍ، والقطعُ بسيفٍ معدومٍ، والإحراق بنار معدومةٍ، فكذلك يستحيل في هذه الصناعة النصب بعامل معدوم؛ لأن العلل النحوية مشبهة بالعلل الحسية، والذي يدل على فساد ما ذهب إليه أنه لا نظير له في العربية، ولا يشهد له شاهد من العلل النحوية، فكان فاسدًا، والله أعلم" [1] .
قلت: وهذا الرد من المماحلة بين الأقران في تعمد التخطئة، ذلك أن هذا الرد يلزم كلُّه شرح البصرة للجملة نفسها، ثم إن قول المعترض على أبي العباس ثعلب قوله (فعل معدوم) ليس صحيحًا بل هو عند ثعلب محذوف لفظًا مفهوم ضمنًا.
وقول المعترض: (علل النحو مشبهة بالعلل الحسية) ليس صحيحًا بل المعاني السياقية هي وسيلة تعليمية وأمارة يتخذها المتكلم لضبط حالة الهواء، في آخر النطق، أما الكشف عن الأوتاد فالغاية منه هي إحكام إفهام المعنى السياقي للمتعلم.
(1) الإنصاف م29، ص 1/247.