الصفحة 79 من 167

قلت: وتوضيح ذلك أن العرب لما أرادوا حكمًا جديدًا غير حكم النهي عن الفعلين حولت ما بعد الواو إلى الاسم، فصار التركيب: (لا تأكل السمك وشربٌ اللبنَ) ، فصار الاسم معطوفًا على الفعل وهذا لا يصح، فَحُوِّل المصدر الصريح إلى مصدر غير صريح فصار التركيب: (لا تأكل السمك وان تشربَ اللبن) ، ولما كان لا يجوز إظهار (أن) فقد أُضمرت وجوبًا، فصار التركيب: (لا تأكل السمك وتشرب للبن) ، وكان المعنى المراد من هذا التركيب هو: (لا يكن منك أكلٌ للسمك وشربٌ للّبن معًا) [1] .

قلت: تأويلات البصرة تأويلات كثيرة.

الشرح الثالث: شرح الجَرْمي

"وذهب أبو عُمَرَ الجَرْمي من البصريين إلى أن الواو هي الناصبة بنفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف" [2] .

قلت: وتوضيح ذلك أن الجَرْمي شرح الجملة على النحو الآتي:

-لا: حرف نهي، تأكل: فعل مضارع حل بعد (لا) مجزوم الهواء.

-و: حرف يفيد المعية.

-تشربَ: فعل مضارع حل بعد (الواو) منصوب الهواء.

ورُدَّ على الجرمي فقيل:"وأما ما ذهب إليه أبو عمر الجرمي أنها عاملة لأنها خرجت عن باب العطف فباطلٌ، لأنه لو كانت هي العاملة كما زعم لجاز أن تدخل عليها الفاء والواو للعطف، وفي امتناعه من ذلك دليل على بطلان ما ذهب إليه" [3] .

قلت: وهذا الاعتراض فيه نظر؛ ذلك أن واو العطف لم تمتنع من الدخول على الواو المذكورة؛ لأنها ما زالت على معنى العطف بل لأن واو العطف لا تدخل إلا بين الجمل التي استقل بعضها عن بعض نحو: (لا تكسلْ ولا تلعبْ) . وأما جملة (وتشرب اللبن) فليست مستقلة عن الجملة السابقة عليها بل هي متعلقة بها، ولذلك امتنع دخول واو العطف عليها.

(1) ذكر الأنصاري في (نظرية العامل) ، ص 123، أن تأويل النحاة هو (لا يكن منك أكل السمك مع شرب اللبن) وما ذكرتُه أوجب لأنه تقدير ذُكِرَتْ واو العطف فيه.

(2) الإنصاف م75، ص 2/555.

(3) الإنصاف م75، ص 2/556-557.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت