فهرس الكتاب
ومن ثمَّ فمنهج النحاة في دراستهم لضبط آخر النطق هو منهج إعراب المعاني السياقية والمحال السياقية، وهو منهج يصح أن يختزل إلى قولنا: (المنهج الإعرابي) أي المنهج التبييني.
وتَنَبّه أن العلة في المنهج الإعرابي تجمع بين العلة الشرعية والعلة المادية، فالعلة الشرعية كعلة وجوب الجهاد وتحريم الخمر علة ورودية لورود النص في ذلك، والعلة المادية علة اقترانية كاقتران سخونة الماء بالنار.
والعلة في المنهج الإعرابي تجمع العلتين، فلو قال قائل: لِمَ يقول المتكلم (انتصر المسلمُ، وانتصر المسلمون) ولا يقول: (انتصر المسلمَ، وانتصر المسلِمين) ، فجواب ذلك أن يقال له: إن السماع قد ورد عن العرب برفع الهواء الحقيقي والمجازي لا بنصب الهواء الحقيقي والمجازي.
فإن قال القائل: فكيف أعرف مواضع رفع الهواء من مواضع نصب الهواء؟ قلنا له: إذا أردت معنى الفاعل قرنت به حالة رفع الهواء إما الحقيقية وإما المجازية، وإن أردت معنى المفعول به قرنت به حالة نصب الهواء إما الحقيقية وإما المجازية، وهذه العلة علة اقتران، فمن ذلك جمع المنهج الإعرابي (أي التبييني) العلتين؛ علة الورُود وعلة الاقتران أما العلة التي في النظريات فعلة مختلفة وسيأتي الحديث عنها إن شاء الله.
أما الجواب عن السؤالين الآتيين: لِمَ لغة العرب مُمَكَّنة من حالات الهواء الأربع؟، ولِمَ كان التمكين على هذه الصورة التي دونت عن العرب؟ فكل جواب عن هذين السؤالين هو رأي و وجهة نظر، وقد يتعدد الرأي وتتعدد النظريات.
قال ابن جني:"قد يكثر الشيء فيسأل عن علته كرفع الفاعل، ونصب المفعول، فيذهب قوم إلى شيء وآخرون إلى غيره، فيجب إذًا تأمل القولين واعتقاد أقواهما ورفض الآخر، فإن تساويا في القوة لم ينكر اعتقادهما جميعًا، فقد يكون الحكم الواحد معلولًا بعلتين" [1] .
(1) الاقتراح للسيوطي، الكتاب الثالث من القياس، الفصل الرابع في العلة، ص 78.