فهرس الكتاب
الجواب أن يقال: إن الأسماء لما كانت تعتورها المعاني فتكون فاعلة ومفعولة ومضافة ومضافًا إليها، ولم تكن في صورها وأبنيتها أدلة على هذه المعاني بل كانت مشتركة، جعلت حركات الإعراب فيها تنبئ عن هذه المعاني، فقالوا: ضرب زيدٌ عمرًا، فدَلّوا برفع زيد على أن الفعل له، وبنصب (عمرو) على أن الفعل واقع به، وقالوا: ضُرِبَ زيدٌ، فَدَلُّوا بتغيير أول الفعل ورفع (زيد) على أن الفعل ما لم يسمَّ فاعله، وأن المفعول قد ناب منابه، وقالوا: هذا غلام زيد، فدلّوا بخفض (زيد) على إضافة الغلام إليه، وكذلك سائر المعاني جعلوا هذه الحركات دلائل عليها ليتسعوا في كلامهم، ويقدموا الفاعل إن أرادوا ذلك أو المفعول عند الحاجة إلى تقديمه، وتكون الحركات دالة على المعاني" [1] ."
واعترض قطرب على تفسير النحاة ذلك فقال:"لَمْ يُعْرَب الكلام (أي لم يُمَكَّن من حالات الهواء) للدلالة على المعاني، والفرق بين بعضها وبعض، لأنا نجد في كلامهم أسماءً متفقة في الإعراب مختلفة المعاني، وأسماء مختلفة الإعراب متفقة في المعاني، فمما اتفق إعرابه واختلف معناه قولك: إنَّ زيدًا أخوك، ولعل زيدًا أخوك، وكأن زيدًا أخوك. اتفق إعرابه واختلف معناه. ومما اختلف إعرابه واتفق معناه قولك: ما زيد قائمًا، وما زيدٌ قائمٌ، اختلف إعرابه واتفق معناه، ومثله: ما رأيته منذ يومين، منذ يومان، ولا مالَ عندك، ولا مالٌ عندك، وما في الدار أحدٌ إلا زيد، وما في الدار أحدٌ إلا زيدًا. ومثله: إن القوم كلَّهم ذاهبون، وإن القوم كلُّهم ذاهبون، ومثله: (إنَّ الأمرَ كلَّه لله) و (إنَّ الأمر كلُّه لله) . قرئ بالوجهين جميعًا. ومثله: ليس زيد بجبانٍ ولا بخيلٍ ولا بخيلًا. ومثل هذا كثير جدًا مما اتفق إعرابه واختلف معناه، ومما اختلف إعرابه واتفق معناه."
(1) الإيضاح في علل النحو، ص 69-70.