فهرس الكتاب
قال: فلو كان الإعراب إنما دخل للفرق بين المعاني لوجب أن يكون لكل معنى إعراب يدل عليه لا يزول إلا بزواله" [1] ."
وقد أجاب النحاة عن كلمات قطرب فيما يذكره الزجاجي فقال:"واحتجوا لما ذكره قطرب من اتفاق الإعراب واختلاف المعاني، واختلاف الإعراب واتفاق المعاني في الأسماء التي تقدم ذكرها بأن قالوا: إنما كان أصل دخول الإعراب في الأسماء التي تذكر بعد الأفعال؛ لأنه يذكر بعدها اسمان أحدهما فاعل والآخر مفعول، فمعناهما مختلف فوجب الفرق بينهما، ثم جُعل سائر الكلام على ذلك. وأما الحروف التي ذكرها فمحمولة على الأفعال، ولكل شيءٍ مما ذكره علة تمر بك في بابه إن شاء الله تعالى" [2] .
وأجاب النحاة على السؤال الثاني، وهو لِمَ كانت لغة العرب ممكنةَ على هذه الصورة؟
فكان جوابهم قائمًا على علل متعددة، والعلل في النظرية علل صناعية أي من صنع النحاة وهي علل ظنية تقبل الجدل، وهي غير علل المنهج الإعرابي إذ تلك علل وُرودية واقترانية، وقد سبق بيان ذلك.
"قال ابن جني في (الخصائص) : اعلم أن علل النحويين أقربُ إلى علل المتكلمين منها إلى علل المتفقهين، وذلك أنهم إنما يحيلون إلى الحس، ويحتجون فيه بثقل الحال أو خفتها على النفس، وليس كذلك علل الفقه لأنها إنما هي أعلام وأمارات لوقوع الأحكام، وكثير منه لا يظهر فيه وجه الحكمة كالأحكام التعبدية" [3] .
وإليك عددًا من تلك العلل التي اعتلَّ بها النحاة:
الأولى: علة الثقل والخفة في الفاعل والمفاعيل
ولما كانت حركة ضم الشفتين أثقل في الحس من حركة فتح الشفتين فقد جعل العرب حركة الشفتين الثقيلة للفاعل لأنه واحد في الجملة؛ وذلك حتى يقل الثقيل في الكلام، وجعلوا حركة فتح الشفتين في المفاعيل والحال والتمييز لأنها كثيرة في الجملة، فجعلوا لها حركة فتح الشفتين الخفيفة حتى يكثر الخفيف في الكلام.
(1) المرجع السابق، ص 70.
(2) الإيضاح، ص 71.
(3) الاقتراح، ص 70.