فهرس الكتاب
ولم يجب قطرب عن السؤال الثاني، وهو لِمَ كانت لغة العرب ممكنةً على هذه الصورة؟ وبتركه الجواب على هذا السؤال ردَّ النحاة نظريته، وهذا جليٌّ في رد المخالفين عليه، إذ لم يفسر قطرب على سبيل المثال لِمَ اختار العرب حالة رفع الهواء للفاعل، وحالة نصب الهواء للمفاعيل، بينما كان الخليل قد أجاب عن ذلك.
غير أنَّ قطرب كان قد ألمح إلى ما يجوز أن يكون جوابًا عن السؤال الثاني، وذلك عند قوله:"فلما وصلوا وأمكنهم التحريك جعلوا التحريك معاقبًا للإسكان ليعتدل الكلام"، فكأنه في قوله: (ليعتدل الكلام) يشير إلى التناظم الصوتي ومجانبة النشاز في الصوت، وسيأتي شرح معنى (التناظم الصوتي) في النظرية الثالثة إن شاء الله [1] .
بل إن إبراهيم مصطفى قد ذكر رأي قطرب بكلام مختلف وعبر عن معنى اعتدال الكلام بما يشير إلى دلالة التناظم الصوتي فقال:"إنما أعربت العرب كلامها لأن الاسم في حال الوقف يلزمه السكون فجعله في الوصل محركًا حتى لا يبطئوا في الإدراج، وعاقبوا بين الحركة والسكون وجعلوا لكل واحد أليق الأحوال به ولم يلتزموا حركة واحدة لأنهم أرادوا الاتساع فلم يضيقوا على أنفسهم وعلى المتكلم بحظر الحركات إلى حركة واحدة" [2] .
فقول قطرب: (أليق الأحوال به) كأنه يريد التناظم الصوتي ومجانَبَة النشاز.
(1) قطرب وأثره في الدراسات النحوية، محمد عاشور محمد، دار الطباعة المحمدية، القاهرة، 1413/1992، ص 144، وقد أرجع إلى (التبيين عن مذاهب النحويين، المسألة 9، ص 156) .
(2) إحياء النحو: إبراهيم مصطفى ص 51.