فهرس الكتاب
قلت: وأرجع إبراهيم مصطفى ما نقله عن قطرب إلى السيوطي في الأشباه والنظائر في باب الكلام على العامل. قلت: وهذا غير دقيق ذلك أن السيوطي إنما ذكر رأي قطرب عن الزجاجي بحروفه في باب (في أن الإعراب لِمَ دخل في الكلام) ، وليس فيه جملة (أليق الأحوال به) فظاهر الحال أن إبراهيم مصطفى إنما ذكر رأي قطرب من ذاكرته فنقله بالمعنى لا بحروفه، فمن ذلك وقعت فيه تلك الجملة.
النظرية الثالثة: نظرية القدرة والصفاء
قلت: إن سبب تمكين آخر الكلام من حالات الهواء مَرَدُّه قدرة العربي على مناقلة لسانه بين حالات الهواء، وإنما جاءته تلك القدرة من قوة آلة النطق عنده وهمته في إخراج الحروف.
يقول ابن جني:"فإن تخلل الإعراب من ضرب إلى ضرب (أي إن الانتقال بين حالات الهواء) يجري مجرى مناقلة الفرس، ولا تقوى على ذلك من الخيل إلا الناهض الرجيل دون الكودن الثقيل" [1] .
وإنك تجد تلك القدرة عند العربي إلى يومنا، فإنك إن استمعت إلى عاميٍّ يتحدث في مقام يقتضيه أن يفصح كلامه غير أنه قد يغلبه اللحن حينًا، فإنك تراه يُحَسِّن نطق الحرف حتى يخرجه على مستحقه، ثم إذا قارنت ذلك بسائر حديثه الملحون في غير ذلك المقام لوجدت أن الفرق بين الحالين هو أنه يميل في الحالة الأولى إلى الهمة في إخراج الحروف التي تشبه همة الفرس في مناقلة أقدامها عند الجري، حتى إذا رجع إلى سائر حديثه الملحون ارتخت همته فذهبت تلك القوة من لسانه.
فإن قيل: ولِمَ كانت المناقلة بين حالات الهواء على تلك الصورة التي دونت عن العرب؟
(1) نحو وعي لغوي، مازن المبارك ص 105، رجب 1390، أيلول 1970، وأعاد إلى الخصائص 2/32، الرجيل: القوي، الكودن: الهجين.