الصفحة 98 من 167

قلت: علة ذلك صفاء حاسة السمع عندهم، فكانوا يحرصون على التناظم الصوتي ويتَجَنََّبُون النشاز، ألا تراهم كيف نظموا الشعر على غير علم بالعروض، قال الجاحظ:"وأصحاب هذه اللغة لا يفقهون قول القائل منا: (مكرةٌ أخاك لا بطل) و (إذا عزَّ أخاك فهُن) ومن لم يفهم قولهم هذا لم يفهم قولهم: (ذهبتُ إلى أبوزيد) و (رأيتُ أبو عمرو) ، ومتى وجد النحويون أعرابيًا يفهم هذا وأشباهه بهرجوه ولم يسمعوا كلامه؛ لأنه يدل على طول إقامته في الدار التي تفسد اللغة وتنقص البيان" [1] .

وهذا الصفاء في حاسة السمع ما يزال في العرب إلى اليوم، فإنك تجد الرجل العاميِّ الذي تعلم أنه لا يعرف من علم النحو شيئًا تجده يعيب على الخطيب إن لحن في خطبته، وأشد من ذلك إن لحن في كتاب الله تعالى، ولو أنعمت النظر في أمر هذا الرجل العائب على الخطيب لألفيته ما أنكر لحن الخطيب من معرفته بالنحو، وإنما أنكر عليه لصفاء حاسة سمعه، ذلك أن الخطيب إذا رفع المفعول واسم إن أو جرَّهما أحدث نشازًا في الصوت ينكره كل ذي صفاءٍ في حاسة سمعه، وهذا أمر مشهود.

فإذا استوى التناظم الصوتي على حالتين من حالات الهواء أو على ثلاث حالات عمدت العرب إلى التخصيص، وذلك نحو: (أشهد أن محمدًا رسولُ الله) إذ يتحقق التناظم الصوتي برفع الهواء في لفظ (رسولُ) ، وبنصب هوائه أيضًا، ولكنه إذا جر الهواء فيه فقيل (أشهد أن محمدًا رسولِ الله) وقع النشاز في الصوت.

قلت: فلما استقام التناظم الصوتي برفع الهواء ونصبه خَصَّصت العرب حالة رفع الهواء للدلالة على خبر إنّ، وخَصَّصت حالة نصب الهواء للدلالة على النعت، ويكون الخبر ما بعد النعت كأن تقول: (أشهد أن محمدًا رسولَ اللهِ خاتمُ النبيين) .

(1) نحو وعي لغوي، مازن المبارك ص 99، رجب 1390، أيلول 1970، وأرجع إلى البيان والتبيين 1/162-163.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت