فهرس الكتاب
وقد كان مما قرأته أن رجلًا سمع مؤذنًا يقول: (أشهد أن محمدًا رسولَ الله) بنصب الهواء في لفظ (رسولَ) فصاح به الرجل: ويحك ما يفعل؟.
ومثل ذلك أنه يستقيم التناظم الصوتي في نحو قولنا: (جاء الرجلَُ) برفع الهواء وبنصبه، فلما استوى التناظم الصوتي بهاتين الحالتين من حالات الهواء، خصصت العرب حالة رفع الهواء عند إرادة معنى الفاعل، وخصصت حالة نصب الهواء عند إرادة معنى المفعول به.
ومثل ذلك أنه يستقيم التناظم الصوتي في نحو قولنا: (درسْتَُ) برفع الهواء في الضمير وبنصبه وبجره، فلما استوى التناظم الصوتي خصصت العرب حالة رفع الهواء للمتكلم، ونصب الهواء للمخاطب المذكر، وجر الهواء للمخاطب المؤثث.
فإن قيل: لِمَ كان التخصيص على هذه الصورة التي نقلت عن العرب؟
قلت: كل ما يعلل به ذلك التخصيص فهو علل ظنية تقبل الجدل، كأن تقول: إنما خُصَّ خبر إنَّ برفع الهواء لأن الخبر عمدة في الجملة فجعلت للعمدة حالة رفع الهواء؛ لأن الهواء المنفوث في هذه الحالة الهوائية هواء قوي، فكانت قوة الهواء المنفوث دليلًا على عمدة الخبر في الكلام.
وخص العرب نعت الاسم الذي حل بعد (إنَّ) بنصب الهواء، لأن النعت تابع للمنعوت فهو كالجزء منه، أما الاسم الذي حل بعد (إن) فنصب هواؤه؛ لأن هذه الحالة هي التي تحقق التناظم الصوتي. أما إن رُفع هواؤه أو جُرَّ فقد وقع النشاز.
ولك أن تقول: إنما خُصَّ الفاعل برفع الهواء في نحو (جاء الرجلُ) لأن الفاعل عمدة في الجملة فجعل للركن العمدة أقوى حالات نفث الهواء، وهي حالة رفع الهواء؛ لتكون قوة نفث الهواء دليلًا على عمدة الفاعل في الجملة، وخص المفعول بنصب الهواء لأن المفعول فضلة في الجملة، والهواء في حالة نصبه إلى أعلى الحلق يكون خفيف النفث، فناسبت الخفة الفضلة.