فهرس الكتاب
ويلاحظ أنَّ الآية مكونة من كلامين الأول قوله: { أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ} , والثاني قوله: { أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } , وكل كلام من هذين الكلامين مكون من جملتين , هما المفضل والمفضل عليه , ولكنَّه حذف من كل ما اثبت في الآخر على سبيل الإيجاز بالإحتباك , قال الزركشي: (( فيه جملتان حذف نصف كل واحدة اكتفاءً بنصف الأخرى ) ) [1] , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:
أفمن يمشي مكبًا على وجهه أهدى ممن يمشي سويًا على صراطٍ مستقيم
أمَّن يمشي سويًا على صراطٍ مستقيم أهدى ممن يمشي مكبًا على وجهه
ومما يعضد هذا التقدير , أنَّ افعل التفضيل لا بد في معناه من المفضل والمفضل عليه , وهنا وقع السؤال عمن في نفس الآمر , هل هذا أفضل من ذلك أم ذلك أهدى من هذا ؟ , فلابد ملاحظة من أربعة أمور , وليس في الآية إلا نصف إحدى الجملتين ونصف الأخرى , والذي حذف من هذه مذكور في تلك, والذي حذف من تلك مذكورٌ في هذه , فحصل المقصود مع الإيجاز والفصاحة [2] .
أما البقاعي فله كلامٌ مختلف , فقال: (( ذكر الكبَّ أولًا دليلًا على ضده ثانيًا , والمستقيم ثانيًا دليلًا على المعوج أولًا , وسره أنَّه ذكر أنكأ ما للمجرم وأسر ما للمسلم ) ) [3] . فاستغنى عن وصف الطريق بالالتواء لدلالة مقابله بالاستقامة في التمثيل الثاني [4] , واستغنى عن الاعتدال والنظر إلى الأمام لدلالة مقابله وهو الانكباب , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:
أفمن يمشي مكبًًا على وجهه بطريقٍ معوجٍ ملتويا أهدى أمَّن
يمشي معتدلًا على رجليه رافعًا بصره سويًا على صراطٍ مستقيم
(1) البرهان في علوم القرآن: 3 / 148 .
(2) =: البرهان في علوم القران: 3 / 148 -149 .
(3) نظم الدرر: 20 / 258 .
(4) =: التحرير والتنوير: 29 / 46