الصفحة 115 من 236

وثمة بلاغة تكمن بعدم التصريح بطريق الكافر , بل أشير إليه بما دلَّ على توعره وعدم استقامته أي ( منكبًا ) , لان ما عليه الكافر لا يليق أن يسمى طريقًا [1] .

وفي الآية استعارة تمثيلية هي (( مثل للمؤمن والكافر ) ) [2] , على وجه التصوير الحسي ,إذ استعار التعبير القرآني للكافر التركيب: { يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ } , واستعار للمؤمن التركيب: { يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } , ويجلي التركيبان المستعاران حقيقة كل منهما في أجل بيان للعين والفكر , فالكافر بالاستعارة التي بثت الحياة في مفاصل الصورة جسدت حقيقة الكافر وقرَّبتها بالطريقة الحسِّية الموحية , الأكثر تأثيرًا من الطريقة الذهنية التجريدية في الحس والوجدان وذلك لما فيهما من (( البيان بالإخراج إلى ما يدرك بالإبصار ) ) [3] , فالانكباب على الوجه يوحي بالتعثر والاضطراب والعمى , وكذلك الكفر فهو حاجب أبصار القلوب عن إدراك الإيمان والهدى , فالكافر كالأعمى الماشي على غير هدىً وبصيرة [4] .

فجاءت الآية بتمثيل حال الكافر والمؤمن في الدنيا والآخرة بحال المشي في الطريق , فالكافر يمشي في طريقٍ معوج إلى نهايةٍ مسدودة وهو طريق الكفر والضلال هذا في الدنيا أمَّا في الآخرة فهو يمشي مكبًا على وجهه حقيقةً كما جاء في الحديث , إنَّه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: كيف يمشي الكافر على وجهه ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادرٌ على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ) ) [5] .

(1) =: أنوار التنزيل وأسرار التأويل: 2 / 512 , وروح المعاني: 29: 19

(2) الكشاف: 1172 .

(3) النكت في إعجاز القرآن: 92 .

(4) =: (( سورة الملك دراسة بلاغية ) ), د- احمد فتحي رمضان , مجلة آداب الرافدين ,ع 24,1992: 331 .

(5) صحيح مسلم ، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ، باب يحشر الكافر على وجهه ، حديث رقم (2806) : 4/2161.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت