فهرس الكتاب
ومما يعضد هذا التقدير أنَّ قوله تعالى: {كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم} ,أي كذَّبَ الذين من قبلهم أنبياءهم مثل ما كذبك هؤلاء , فشبه تكذيبهم بتكذيب المكذبين من قبلهم , كما تدل على أنَّ الذين أشركوا قصدوا بقولهم: { لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا } , تكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ دعاهم إلى الإقلاع عمَّا يعتقدون فكذلك الأمم قبلهم كذَّبوا رسلهم مستندين إلى هذه الشُّبَه , فسمى استدلالهم هذا تكذيبًا , لأنهم ساقوه مساق التكذيب والإفحام [1] .
وتظهر بلاغة الإحتباك في إخفاء التكذيب أولًا لإثباته لهم ثانيًا , وحذف الإشراك ثانيًا لإثباته لهم أولًا , فحصل بذلك إيجاز مع ملامسة للعقول المرهفة التي تتذوق المعاني بأقل الألفاظ .
وقوله تعالى:: {حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا} غاية للتكذيب قُصد منها دوامهم عليه حتى آخر أوقات وجودهم , فلما أتاهم بأس الله وذاقوه هلكوا , والذوق هنا مجاز استعمل بدلًا عن الإحساس والشعور , فهو من استعمال المقيد في المطلق , وفي إضافة البأس إلى ضمير الله - سبحانه وتعالى - لتعظيم أمر هذا البأس في النفوس وتهويله [2] .
سادسًًا. دعوة اليهود والنصارى
قال تعالى: {وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ } (البقرة: 135) .
(1) =: التحرير والتنوير: 8 / 148 .
(2) =: روح المعاني: 1 / 393 , والتحرير والتنوير: 1 / 736 .