فهرس الكتاب
تتحدث هذه الآية عن اليهود والنصارى , وكيف أنَّ كل فرقةٍ منهم تدعي أنَّها على الهدى , وأنَّه لا هدى لمن لا يتبع ملتها , وذكر العلماء أنَّ (أو) لتنويع المقال لا للتخيير [1] , لأنَّ (( كلَّ واحدٍ من الفريقين يكفر الآخر ) ) [2] . فاليهود يكفرون النصارى , والنصارى تكفر اليهود , فليس المراد بأنكم إذا كنتم على أيِّ الملتين فقد اهتديتم , بل أنَّ اليهود قصرت الهدى باتباع اليهودية , وكذلك النصارى قصرت الهدى باتباع النصرانية. ويتضح من هذا أنَّ في الآية إيجازًا بالحذف على سبيل الإحتباك , وتقدير الآية الكريمة:
وقالت اليهود كونوا هودًا تهتدوا
وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا [3]
فحذف من الأول (تهتدوا) لدلالة مثله عليه في الثاني , ومن الثاني الفعل (كونوا) لدلالة مثله عليه في الأول .
ومما يعضد هذا التقدير أنَّ (الواو) في (قالوا) عائدة على اليهود أولًا وعلى النصارى ثانيًا , وتوزع القول عليهما , يقول ابن مسعود: (( ليس هذا القول مقولًا لكلهم أو لأي طائفةٍ كانت من الطائفتين بل هو موزعٌ عليهما على وجه خاص تقتضيه حالهما اقتضاءً مغنيًا عن التصريح به , أي قالت اليهود كونوا هودًا , والنصارى كونوا نصارى ) ) [4] .
وجمع - سبحانه وتعالى - القولين في قوله:: { وَقَالُواْ} لبيان أنَّ ملةَ الكفر واحدة , ولكي يوجه - سبحانه وتعالى - نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - أن يواجههم بكلمةٍ واحدة {قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [5] .
(1) =: م . ن: 8 / 149 .
(2) =: روح المعاني: 1 / 86 .
(3) =: صفوة التفاسير: 1 / 86 .
(4) إرشاد العقل السليم: 1 / 204 .
(5) =: في ظلال القرآن: 1 /117 .