فهرس الكتاب
ثمَّ ختمت الآية الكريمة بصفتين جليلتين وهما: {وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} , اللتين تدلان على الرحمة ومغفرة الذنوب ومحوها , وكما جاء في الحديث: (( وسبقت رحمتي
غضبي )) [1] , وهذه الأمور تدل على قوة جانب الخير والرحمة [2] .
ثامنًا. اختلاط العمل الصالح بالعمل السيئ
قال تعالى: { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } (التوبة: 102) .
ذكر سبحانه حال أولئك الذين تذبذبوا بين عمل الخير تارةً , وعمل السوء تارةً أخرى , وقد ذكر المفسرون أنَّ عطف العمل الصالح على السيئ يستلزم أن يكون كلّ واحدٍ منهما مخلوطًا ومخلوطًا به , على خلاف القول خلطت الماء باللبن , فإنَّه يستلزم أن يكون الماء مخلوطًا واللبن مخلوطًا به , وفيه اختلاف مما أدى إلى اختلاف النظر في هذه الآية , فذهب الزمخشري [3] إلى أنَّ الاختلاط هنا معناه الامتزاج كما تقول: خلطت الماء باللبن واللبن بالماء , أي: جعلنا الأول مخلوطًا بالثاني والثاني مخلوطًا بالأول [4] , مما دفعه إلى القول بالإحباط , بأنَّ الثاني يحبط الأول , لأنَّ خلط الشيء بشيءٍ آخر يستدعي تغيير صفة الشيئين , كما أنَّ الماء إذا خلط باللبن تغيرت صفة الماء واللبن عمَّّا قبل الخلط , فإذا امتزج العمل الصالح بالسيئ تغيرت صفة العمل الصالح , وإذا امتزج العمل السيئ بالصالح تغيرت صفته أيضًا , فمعنى ذلك أنَّ الثاني يحبط الأول [5] .
(1) صحيح البخاري ، كتاب التوحيد ، باب قول الله تعالى: {بل هو قرآن مجيد في لوحٍ محفوظ} و {والطور وكتاب مسطور} ، حديث رقم (7114) : 6 /2745 .
(2) =: التفسير الكبير: 17 / 182 .
(3) =: الكشاف: 448 .
(4) =: م . ن: 448 .
(5) =: ن: 448 .