الصفحة 126 من 236

... في حين ذهب الرازي إلى أنَّ العطف هنا لمطلق الجمع [1] , أي أنَّ الخليطين لا يتغير أحدهما بالآخر لعدم المزج , فالمزج وحده يتغير فيه الممزوجان عن صفتهما الأساسية , ونجد ذلك في قول الرازي: (( وأما قولك خلطته فإنما يحسن في الموضع الذي يمتزج كلَّ واحدٍ منهما بالآخر , ويتغير كلَّ واحدٍ منهما بسبب تلك المخالطة عن صفته الأصلية , كقولك خلطت الماء باللبن , واللائق بهذا الموضع هو الجمع المطلق , لأنَّ العمل الصالح والعمل السيئ إذ حصِّلا بقي كلُّّّّّّّّ واحدٍ منهما كما كان على مذهبنا فإنَّ عندنا القول بالإحباط باطلٌ , والطاعة تبقى موجبة للمدح والثواب , والمعصية تبقى موجبة للذم والعقاب , فقوله تعالى: {خلطوا عملًا صالحًا وآخر سيئًا} فيه تنبيه على نفي القول بالمحابطة ، وأنه بقي كل واحد منهما كما كان من غير أن يتأثر أحدهما بالآخر، ومما يعين هذه الآية على نفي القول بالمحابطة أنه تعالى وصف العمل الصالح والعمل السيئ بالمخالطة. والمختلطان لا بد وأن يكونا باقيين حال اختلاطهما، لأن الاختلاط صفة للمختلطين، وحصول الصفة حال عدم الموصوف محال، فدل على بقاء العملين حال الاختلاط ) ) [2] .

فعلى رأي الرازي يكون قوله تعالى: {خَلَطُواْ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا} , كمن يقول: خلطت نعاجي ونعاج فلان , فلا يستلزم أن تتغير صفة النعاج بالاختلاط مع النعاج الأخرى .

والذي يبدو لنا - والله اعلم - أنََّ رأي الرازي أرجح وأقوى , أي بأنَّ العطف لمطلق الجمع , وأنَّ الخليطين لا يتأثر أحدهما بالآخر , وذلك لوضوح الدلالة على هذا المعنى أولًا , ولما ورد في الأثر ثانيًا بأنَّ الله - سبحانه وتعالى - يزن أعمال الإنسان يوم القيامة , فيضع حسناته في كفةٍ وسيئاته في الكفة الأخرى , فلو حصل الإحباط لما حصل الوزن - والله أعلم - .

(1) =: التفسير الكبير: 16 / 180 .

(2) م . ن: 16 / 180 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت