الصفحة 127 من 236

أما قوله: { عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } , فعسى هنا تدلُّ على الوجوب لأنَّها من الله [1] . فـ (( الإطماع من الله سبحانه إيجاب لكونه أكرم الأكرمين ) ) [2] , يقول الرازي: (( وتحقيق القول فيه أن القرآن نزل على عرف الناس في الكلام، والسلطان العظيم إذا التمس المحتاج منه شيئًا فإنه لا يجيب إليه إلا على سبيل الترجي مع كلمة عسى ، أو لعل ، تنبيهًا على أنه ليس لأحد أن يلزمني شيئًا وأن يكلفني بشيء بل كل ما أفعله فإنما أفعله على سبيل التفضل والتطول، فذكر كلمة {عسى} الفائدة فيه هذا المعنى، مع أنه يفيد القطع بالإجابة ) ) [3] . وقد ذكر بعض المفسرين أنَّ في الآية احتباكًا , والتقدير:

خلطوا عملًا صالحًا بآخر سيئًا

وخلطوا آخر سيئًا بصالح [4] .

حيث حذف من الأول (سيئ) لدلالة مثله عليه ثانيًا , وحذف من الثاني (صالح) لدلالة الأول عليه (( لأنَّ الخلط يستدعي مخلوطًا ومخلوطًا به , أي تارةً أطاعوا وخلطوا الطاعة بكبيرة , وتارةً عصوا فتداركوا المعصية بالتوبة ) ) [5] .

وإذا حملنا الآية على الإحتباك فلا معنى للاختلاف حول حرفي (الواو) و (الباء) , حيث ذكر عدد من المفسرين أنَّ واو العطف في الآية بمعنى الباء [6] ,كما في قولهم: بعت الشاة شاةً ودرهمًا , أي: شاةً بدرهم , لأنَّ المسألة فيها تقدير محذوف , فإذا قدر المحذوف فلا داعي للتأويل .

وتكمن بلاغة الإحتباك في أنَّّ هذا الحذف لم يخل بالمعنى بل عمَّّّقه , لأنَّه جمع شيئين ، وحذف شيئين في كلٍّ من المحذوفين دليلٌ عليهما في المذكورين , وهذا غاية الفصاحة والبيان .

(1) =: جامع البيان: 11 / 20.

(2) فتح القدير: 2 / 565 .

(3) التفسير الكبير: 16 / 180 .

(4) =: روح المعاني: 11 / 10 , ومحاسن التأويل: 8 / 3250 .

(5) البرهان في علوم القرآن:3/131 .

(6) =:الجامع لأحكام القرآن: 8/ 155 , ومحاسن التأويل: 8 / 3249 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت