فهرس الكتاب
وأفاد هذا الإيجاز بالإحتباك , بذكر (الرحمة) أولًا من غير المغفرة بيان عظم هذه النعمة , وذلك لأنها الأساس في دخول العبد إلى الجنة , كما أنَّّ مجيء الجملة الثانية مع فعل المغفرة في (يغفر) , بشارةٌ للذين أسرفوا على أنفسهم بالذنوب , بأنَّه - سبحانه وتعالى - يغفر لهم ذنوبهم مهما عصوه وعملوا السيئات قبلها , كما في ذكر الرحمة أولًا حثٌ للعبد على التوبة , وبيانٌ بأنَّ الله - سبحانه وتعالى - رحيمٌ بعباده , كما كان للإحتباك دورٌ بارز في صياغة الآية على هذا النظم الدقيق حيث صيغت بإيجاز جميل لا يخل بالمعنى بل جمَّله وعمقه وهذه من صفات الكتاب العزيز .
ومعنى القنوط في الآية , لا تيأسوا من رحمة الله ومغفرته , ثمَّ لما نهاهم عن القنوط اخبرهم بما يدفع ذلك , ويرفعه , ويجعل الرجاء مكان القنوط , فقال: { إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } [1] .
وفي ابتداء الخطاب بالنداء في (يا عبادي) بعد فعل الآمر (قل) , وفي استعمال لفظ (عباد) إيذانٌ بأنَّ ما بعده إعداد للقبول , وإطماعٌ في النجاة [2] , كما أنَّ النداء بالأداة (يا) له بلاغة بعد فعل الأمر الحقيقي (قل) في لفت أسماع المخاطبين , وتحريك مشاعرهم , ليمتثلوا أمام هذا النداء , مقبلين إلى الله - سبحانه وتعالى - ومعرضين عمَّا جنوا فيما مضى [3] .
(1) =: فتح القدير: 4 / 616 .
(2) =: التحرير والتنوير: 24 / 40 .
(3) =: أسلوب النداء في القرآن الكريم , معن توفيق ، كلية الآداب ، جامعة الموصل ، رسالة ماجستير: 51