الصفحة 132 من 236

وفي هذه الآية أمورٌ عديدة تدل على سعة رحمة الله - سبحانه وتعالى - منها , أنَّه سمى المذنب بالعبد , والعبودية مفسرة بالحاجة والذلة والمسكنة , واللائق بالرحيم الكريم إفاضة الخير والرحمة على المسكين المحتاج , ومنها أنَّه - سبحانه وتعالى - أضافهم إلى نفسه بياء الإضافة فقال: { يَا عِبَادِيَ } , وشرف الإضافة إليه يفيد الأمن من العذاب , ومنها نهيهم عن القنوط فيكون هذا أمر بالرجاء , والكريم إذا أمر بالرجاء لا يليق به إلا الكرم, ومنها تأكيد الذنوب بـ (جميعًا) ليدل على الشمول , ومنها أنَّ - سبحانه وتعالى - ختم الآية الكريمة بقوله: { إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } , فالغفور صيغة مبالغة تدل على كثرة المغفرة , والرحمة بعدها تفيد فائدة على المغفرة , فكان قوله تعالى: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} إشارة إلى تحصيل موجبات الرحمة والثواب , كما أنَّ قوله: {إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} يفيد الحصر , ومعناه أنَّّ لا غفور ولا رحيم إلا هو - سبحانه وتعالى - , وهذا واضح بما في الآية من المؤكدات , من تعريف الجزأين (الاسمين) , المؤكدين بأنَّ وضمير الفصل , وذلك يفيد الكمال في وصفه - سبحانه وتعالى - بالغفران والرحمة [1] . كما انَّه - سبحانه وتعالى - عندما ذكر العباد قال: {يَا عِبَادِيَ} ولم يقل (يا عباد) بكسر الدال لأن ما ذكرت فيه الياء أوسع واشمل مما حذفت منه فكان طول البناء إشارة إلى سعة المجموعة وكثرتها في الآية , فالعباد هنا قاعدة عريضة واسعة , فالذين أسرفوا على أنفسهم هم الاكثرون قال تعالى {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين } (يوسف:103) , فالعباد هنا كثر وهم عموم العباد , فهم إذا سألوه فهو قريب منهم ويجيبهم, فذكر الياء مع العباد لهذا الغرض [2] .

(1) =: التفسير الكبير: 27 / 5 , وفتح القدير:4 /617 , وروح المعاني: 24 / 13 .

(2) =: بلاغة الكلمة في التعبير القرآني:25/26.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت