الصفحة 149 من 236

وقد أُثرت صيغة القصر بالنفي والاستثناء في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا ...} ,لأنَّ السياق يقتضي تأكيد النفي أولًا ليتناسب مع سبب نزول هذه الآية , فكان البدء بالنفي ردًا على اليهود وإلجامًا , وإعلانًا لحقيقة الوحي والرسالة بشكل عام [1] . واللطيفة الأخرى في إيثار صيغة النفي والاستثناء هو أنَّ الخبر بالنفي والإثبات يكون ينكره المخاطب ويشك فيه , فإذا قلت: ما هو إلا مصيب , أو ما هو إلا مخطيء , قُلتَهُ لمن يدفع أن يكون الأمر على ما قلته , وإذا رأيت شخصًا من بعيد فقلت: ما هو إلا زيدٌ , لم تقله إلا وصاحبك يتوهم أنَّه ليس بزيد , وأنَّه إنسان آخر , ويُجِدُّ في الإنكار أن يكون زيدًا [2] .

واستعملت الآية لفظ (البشر) بدلًا من (الإنسان) , وذلك لإغراضٍ عدة منها , للتأكيد على بشرية الرسل بصورةٍ عامة , فضلًا عما في اللفظ من الإيحاء بالتبشير بالخير , وحسن الهيئة , لأنَّه مشتقٌ من البشارة , كما أنَّه لم يأت بلفظ (إنسان) تنزيهًا للرسل عن مجرد مخالفتهم البهيمية وعن النسيان أيضًا لأنَّ الإنسان من النسيان [3] , كما أنَّ هذه الكلمة تدل على الظهور , فقد سموا بشرًا لظهور شأنهم, وهذا ما يناسب ذكر الرسل في هذا المقام ولذلك نجد أنَّ القرآن الكريم قد خصَّ كلَّ موضعٍ اعتبر من الإنسان جُثته وظاهره بلفظ البشر [4] .

(1) =: سور الحواميم دراسة بلاغية تحليلية: 34 .

(2) =: دلائل الإعجاز: 255 .

(3) =: الفروق في اللغة: 296 - 270 .

(4) =: ظاهرة الترادف في ضوء أساليب التفسير البياني للقرآن , طالب محمد الزوبعي: 33 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت