الصفحة 154 من 236

يخاطب الله - سبحانه وتعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - مبينًا له أنَّ الناس في قبول دعوته فريقان , فريقٌ حيٌ يسمع فيستجيب , فتثبت له صفة الحياة لأنَّه استفاد من سمعه وعقله , وآخر معرض فهو ميتٌ لا يسمع ولا يستقبل {وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ} (فصلت: 44) , ومن ثمَّ النتيجة لا يتأثر ولا يستجيب , فيستحق أن يوصف بالميت ,لأنَّه لم يستفد من سمعه وعقله فيما يقال له .

وقابل - سبحانه وتعالى - في هذه الآية بين الأحياء والأموات , وأراد بهما المؤمنين والكافرين , ولكن هذه الآية لم تكن متشابهة في اختيار الألفاظ المتقابلة , فلم يذكر (الأحياء) في مقابل (الأموات) , ولا (لا يسمعون) في مقابل (يسمعون) , بل ذكر صفة من صفات الأحياء وهي السمع ولم يذكرهم صراحةً , في حين ذكر في المقابل (الأموات) صراحةً ولم يذكر عدم سماعهم , فحصل بذلك احتباك بحذف من الطرفين , فحذف من الأول (الأحياء) لدلالة ضده عليه في الثاني وهم (الأموات) , وحذف من الثاني (لا يسمعون) لدلالة نفيه عليه في الأول وهو (يسمعون) [1] , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:

إنما يستجيب للإيمان الأحياء الذين يسمعون

والموتى يبعثهم الله وهم لا يسمعون

وبهذا الحذف جمعت الآية بين الإحتباك الضدي والمنفي المثبت, فأصبح من الإحتباك المشترك .

(1) =: نظم الدرر: 7 / 102 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت