فهرس الكتاب
وأفاد هذا الإيجاز بالإحتباك بلاغة, حيث إنَّه ذكر في جانب الأحياء أنَّهم يسمعون من غير التصريح بهم , لأنَّه الغرض المطلوب وعن طريقه تكون الهداية , فذكره لأهميته , وبما أنَّ الميت لا يسمع , ذكره بدلًا من الكافر تهكمًا به وازدراءً عليه, لأنَّه لا ينتفع بهذه النعمة , كما في تسميتهم بالموتى إقناطٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - من إيمانهم وهدايتهم [1] .
وفي الآية استعارة في إطلاق ( الأموات ) على الكفار , استعارة تصريحية حيث أنَّه شبه كفرهم وجهلهم بالموت [2] .
من حيث إنَّهم لا ينتفعون بعقولهم وأسماعهم ومواهبهم في أهم الأشياء وهو ما يرضي الله - سبحانه وتعالى - , وعلى هذه الاستعارة يكون بعثهم حقيقة , وهو ترشيحٌ للاستعارة, لأنَّ البعث من ملائمات المشبه به في العرف , وإن كان الحي يخبر عنه بأنَّه يبعث بعد موته , ولكن العرف لا يذكر البعث إلا باعتبار وصف المبعوث بأنَّه ميت [3] .
وشبه الكافر بالميت من حيث إنّ الميت جسده خالٍ من الروح , ويظهر منه النتن وأنواع العفونات , وأصلح أحواله دفنه تحت التراب , والكافر روحه خالية من العقل فيظهر منه جهله بالله - سبحانه وتعالى - ومخالفاته لأمره , وعدم قبوله لمعجزات الرسل , وإذا كانت روحه خاليه من العقل كان مجنونًا فأحسن أحواله أن يقيد ويحبس , فالعقل بالنسبة إلى الروح , كالروح بالنسبة إلى الجسد [4] .
وفي الآية جمالية تتمثل في (حسن التخلص) حيث أنَّه تخلص من ذكر حالهم في الدنيا إلى وعيدهم بأنَّه يبعثهم بعد موتهم , وأفاد هذا التخلص بأنهم لا يرجى منهم رجوعٌ إلى الحق إلى أن يبعثوا وحينئذٍ يلاقون جزاء كفرهم [5] .
(1) =: محاسن التأويل: 6 / 2295 .
(2) =: إرشاد العقل السليم: 2 / 379 , وروح المعاني: 7 / 142 .
(3) =: التحرير والتنوير: 7 / 208 .
(4) =: البحر المحيط: 4 /123 .
(5) =: التحرير والتنوير: 7 / 208 .