الصفحة 156 من 236

في آية أخرى نسمع لقوله تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } (الاحقاف:10) , حيث يقابل القرآن بين موقفين مختلفين , موقف شاهد بني إسرائيل عندما صدَّق وآمن بالقرآن من غير شكٍ ولا ريبة , وموقف المشركين في استكبارهم وإعراضهم عن الإيمان .

ولقد سلك القرآن شتى السبل, واتبع شتى الأساليب ليواجه شكوك النفس البشرية وانحرافاتها, وآفاتها, ويعالجها, ومع اليقين الجازم بأنَّ هذا القرآن من عند الله فقد استخدم أسلوب التشكيك, لا أسلوب الجزم للغرض الذي ذكر, وهذا أسلوب من أساليب الإقناع في بعض الأحوال, وبعدها يمضي في استعراض مقولات المشركين عن القرآن والدين , ويحكي اعتذارهم عن التكذيب به والإعراض عنه , اعتراض المستكبر المتعالي على المؤمنين [1] .

ولم تكن المقابلة تامة بين اللفظتين في قوله تعالى: {.... فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ ....} , فلم يقل فأمن وكفرتم , ولا تواضع واستكبرتم , بل ذكر الإيمان في جانب شاهد بني إسرائيل , في حين استعمل لفظ الاستكبار مع موقفهم , ووقع في هذه الآية حذفٌ من الطرفين على سبيل الإحتباك ودل بالمذكور على المحذوف , فحذف من الأول (لم يستكبر) لدلالة نفيه عليه في الثاني وهو (استكبرتم) , وحذف من الثاني (وكفرتم) لدلالة ضده عليه في الأول وهو (فآمن) [2] . وبهذا أصبح هذا الإحتباك من المشترك , لأنَّه حذف لفظة وضدها , ولفظة ونفيها , وعلى ما مضى يكون تقدير الآية الكريمة:

فآمن ولم يستكبر

واستكبرتم وكفرتم

(1) =: في ظلال القرآن: 6 / 3258

(2) =: نظم الدرر: 18 / 139 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت