فهرس الكتاب
وجاء النظم الكريم بهذه الصورة , بذكر الإيمان الذي هو سبب الفوز والنجاة في الدارين , والاستكبار الذي هو سبب الشقاوة والهلاك في الدارين , ترغيبًا وترهيبًا [1] . وذكر الاستكبار لبيان قبح هذه المعصية , كما أنَّه ذكر الإيمان ولم يذكر عدم استكباره لبيان سرعة إيمانه وقبوله الحق .
وابتدأت الآية بتوبيخهم بأسلوب الاستفهام التقريري , وهذا الأسلوب في الجدل أريد به زعزعة الإصرار والعناد في نفوس أهل مكة وإثارة التخوف في نفوسهم , والتحرج من المضي في التكذيب , فأولى لهم أن يتريثوا في التكذيب , وان يتدبروا في حرصٍ وحذر قبل التعرض للخاتمة الوخيمة , وهذا واضح في استخدام أسلوب الشك الذي يدعو إلى الحذر في مثل هذا المقام [2] .
ويأتي توبيخهم على إنكارهم هذا بوساطة جناس الاشتقاق في قوله {....وَشَهِدَ شَاهِدٌ....} , فالقرآن معجزة لا يخفى على أنَّها من عند الله - سبحانه وتعالى - , ولكنَّكم كفرتم به ... على الرغم من ذلك , وعلى الرغم من شهادة هذا الرجل على صدقه , فأنتم أولى بالإيمان به قبل غيركم لأنَّه نزل فيكم وعليكم لا على بني إسرائيل , ويزيد القرآن من توبيخهم في قوله (آمن) , وبين هذه اللفظة و (كفرتم) طباقٌ يعمق هذا التوبيخ ويزيد من قوته , فضلًا عن أنَّ قوله (استكبرتم) يوحي بدافع الكفر وهو الاستكبار ولا حجة لهم سواه [3] .
وفي ذكر الإيمان بعد إيمان الشاهد بيانٌ لظلمهم , وكأنَّ جواب الشرط هنا يعلن اعترافهم بالظلم فيأتي تذييل الآية {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} على سبيل الفصل , لتثبيت معنى جواب الشرط وتوكيده [4] , وهذا مشعر بأنَّّ كفرهم به هو سبب ضلالهم المسبب عن ظلمهم [5] .
(1) =: م . ن: 18 / 139 .
(2) =: في ظلال القرآن: 6 / 3258 .
(3) =: سور الحواميم دراسة بلاغية: 268 .
(4) =: الفصل والوصل في القرآن الكريم , د- منير سلطان: 97 .
(5) =: أنوار التنزيل: 2 / 394 .