فهرس الكتاب
وقابلت الآية بين حالتين لهؤلاء المجرمين دعوا فيها للسجود , الأولى يوم القيامة فهم يريدون السجود ولكنهم غير سالمين , فلا يستطيعون . والثانية تذكير لحالهم في الدنيا عندما كانوا سالمين مستطيعين ومع هذا يأبون , وقد جاءت هذه المقابلة على سبيل الإحتباك , فحذف من الطرفين , ودلَّ بالمذكور على المحذوف فـ (( ذكر عدم الاستطاعة أولًا دالٌ على الاستطاعة ثانيًا,وذكر السلامة ثانيًا دال على حذف عدم السلامة أولًا ) ) [1] , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:
فيدعون إلى السجود وهم هالكون غير سالمين فلا يستطيعون
وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون يستطيعونه ومع هذا يأبون
وجاء النظم الكريم بهذه الصورة , لإظهار الحسرة عليهم والندامة , فالآية صورتهم في أدق صورة , فهم أذلاء ضعفاء مسلوبو الإرادة ولا يستطيعون التحكم بأجسادهم التي كانوا يتباهون ويتفاخرون بها في الدنيا . ومما يدل على أنَّه لا سيطرة لهم على أجسادهم , الحديث الذي رواه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (( فيكشف عن ساقٍ فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أُذن له بالسجود , ولا يبقى من كان يسجد اتقاءً ورياءً إلا جعل الله ظهره طبقةً واحدةً كلما أراد أن يسجد خرَّّ على قفاه ) ) [2] .
والدعوة إلى السجود في الآخرة (( ليس على سبيل التكليف بل على سبيل التقريع والتخجيل ) ) [3] , وكذلك (( توبيخٌ وتعنيف على تركهم إياه في الدنيا , وتحسير لهم على تفريطهم في ذلك لا على سبيل التكليف والتعبد , لأنََّ يوم القيامة لا يكون فيه تعبد ولا تكليف ) ) [4] .
(1) نظم الدرر: 20 / 325 .
(2) صحيح مسلم ،كتاب الإيمان, باب معرفة طريق الرؤية ، حديث رقم (183) : 1/167-168.
(3) البحر المحيط: 8/309 .
(4) روح البيان: 10/121 .