فهرس الكتاب
ونحن نميل إلى رأي سيبويه , لقوة الحجة فيه على خلاف الآراء الأخرى , وإن كان الرأيان الثاني والثالث لا يتعارضان مع رأي سيبويه , ويشكلان جزءًا منه , أما الرأي الأول فيبدو ضعيفًا لورود بعض المداخل عليه , كما ذكر الزمخشري أنَّ هذا الرأي بعيد , لأنَّه - سبحانه وتعالى - قال: {كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلاّ دعاءً ونداءً} , حيث أنَّ المنعوق به يسمع الصوت ولكنَّه لا يفهمه , فالاستثناء بألاّ يقتضي أنَّ هناك سمعًا من المنعوق به , ولكنَّّه قال: {دعاءً ونداءً} , ولم يقل (كلامًا) , لأنَّ الدعاء والنداء عام والمراد منه في هذه الآية محض الصوت الذي لا يفهم منه شيء - والله أعلم - في حين أنَّّ الأصنام لا تسمع لا كلامًا ولا دعاءً ونداءً , وهي صماء البتة [1] . كما استبعد ابن جريرٍ الطبري هذا الوجه وذكر أنَّ هذه الآية نزلت في اليهود مستندًا في ذلك إلى سياق الآية , ما قبلها وما بعدها , ولم تكن اليهود أهل أصنام وأوثان يعبدونها, لذلك قال: (( ولا وجه إذا كانت كذلك لتأويل من تأول ذلك أنَّه بمعنى مثل الذين كفروا في ندائهم الآلهة ودعائهم إياها ) ) [2] .
وفي هذا الوجه الرابع يحصل الإحتباك وتتشكل مفاصله , كما أشار إلى ذلك أبو حيان [3] حيث حذف من الأول ما دل عليه نظيره في الثاني , ومن الثاني ما دلَّ عليه نظيره في الأول , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:
مثلك يا محمد - صلى الله عليه وسلم - ومثل الذين
كفروا كمثل الناعق والمنعوق به
(1) =: الكشاف: 107 .
(2) جامع البيان: 2/99 .
(3) البحر المحيط: 1/657 .