فهرس الكتاب
حيث حذف أسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الأول لدلالة (الذي ينعق) عليه في الثاني, وحذف (المنعوق به) من الثاني لدلالة (الذين كفروا) عليه في الأول [1] , وهذا من أجمل مواطن الحذف في القرآن الكريم , خصوصًا أنَّ النظم جاء محذوف الأول وهو اسم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو ما يدل عليه , وذلك رفعًا لشأنه - صلى الله عليه وسلم - بأن يقرن بهذا الذي ينعق بما لا يسمع [2] , في حين إنَّ حذف (المنعوق به) ليس كليًا وإنما هناك لازمٌ من لوازمه, وهو قوله: {بما لا يسمع الادعاءً ونداءً} , حتى يعود هذا المعنى إلى الكفار, ويجللهم بالخزي والعار بتصويرهم بحال البهائم التي لا تعقل شيئًا ولا تعرف ما يراد بها , ففي هذا الحذف بلاغة وجمال , بحيث ترفع من شأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بحذف ذكره - صلى الله عليه وسلم - وتحط من شأن الكفار بذكرهم في هذا الموطن مقرونًا بما لا يسمع إلاّ دعاءً ونداءً , وهذا غاية الإيجاز والبلاغة .
وقد نقل البقاعي- رحمه الله- في تفسيره عن الحرالي [3] قوله: (( وفي ذكر هذين المثلين تقابل يفهم منه مثلين آخرين فاقتضى ذلك تمثيلين في مثلٍ واحد , كأنَّ وفاء اللفظ الذي افهمه لهذا الإيجاز: مثل الذين كفروا ومثل داعيهم , كمثل الراعي وما يرعى من البهائم , وهو من أعلى خطاب فصحاء العرب , ومن لا يصل فهمه إلى جمع المثلين يقتصر تأويله بمثلٍ واحد فيقدر الكلام: ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلاّ ) ) [4] 2) .
(1) نظم الدرر: 2/332 ، وحاشية الجمل: 1/5137 .
(2) =: في بلاغة القرآن ، أحمد أحمد بدوي: 124.
(3) الحرالي:
(4) نظم الدرر: 2/332 .