الصفحة 184 من 236

فسبح بحمد ربك واستغفره إنه

كان غفارا وتب إليه إنه كان توابًا

والذي يعضد هذا القول والتقدير الحديث الذي روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها قالت , كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - يكثر في آخر أمره من قوله: (( سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه ) ) [1] . إذًا بما أنَّه عليه الصلاة وسلام أفرد الاستغفار لمفرده والتوبة لمفردها , إذ هما عملان مختلفان , فكأنه أستغفر الله لأنه غفار وتاب إليه لأنه تواب , لأن الاستغفار غير التوبة , فالتوبة: الإياب والرجوع والاستغفار: أن يقترف الإنسان ذنبًا ويطلب من الله أن يغفره له , فكأنَّ الإستغفار له مدلول , أي ذنب وقع من الإنسان فهو يستغفر الله منه , أما في التوبة , أن تؤوب وترجع إلى منهج الله , وتحاول أن لا يقع منك بعد ذلك ذنب [2] .

وثمة بلاغه بالإحتباك , وهو انه تعالى لم يجر الوصف على ما يناسب (واستغفره) , بل عدل عن ذلك إلى ( توابًا ) تلطفًا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن أمره بالاستغفار ليس مقتضيًا إثبات ذنب له لما مضى ذكره في أن وصف (تواب) من تاب عليه الذي يستعمل بمعنى: وفقه للتوبة إيماء إلى أن أمره بالاستغفار إرشاد إلى مقام التأدب مع الله سبحانه وتعالى فأنه لا يسأل عما يفعل بعباده , لولا تفضله بما بين لهم من مراده -, ولأن وصف (تواب) أشد ملاءمة لإقامة الفاصلة مع فاصلة (أفواجًا) , لأن حرف الجيم والباء كليهما من الحروف الموصوفة بالشدة خلاف حرف الراء فهو من الحروف التي صفتها بين الشدة والرخوة [3] .

(1) صحيح مسلم ، كتاب الصلاة ، باب ما يقال في الركوع والسجود ، حديث رقم (484) : 1/351.

(2) =: المنتخب من تفسير الشعراوي: 3 / 101 .

(3) = التحرير والتنوير: 30 / 597 -598 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت