الصفحة 60 من 236

فهذه الآية حقيقة الهداية والضلال وان كليهما بيد الله سبحانه وتعالى , فالذي يهديه الله فلا ضال له ,والذي يضل فلا هادي له , فكلاهما بيده وكل بعمله , وهذه الآية من الآيات التي تحكي قصة أصحاب الكهف وكيف أن الله هداهم من وسط مجتمع كافر لأنه علم فيهم الهداية وبما انه أراد هدايتهم فلا أحد يستطيع إضلالهم .

... ومن الملاحظ في الآية أنه ذكر في جانب الهداية الاسم (المهتد) , وحذف عدم إضلاله , واثبت في جانب الضلال عدم الهداية وحذف الاسم وهو (الضال) فحصل بذلك احتباك , فذكر المهتدي في الأول دلالة على حذف الضال ثانيًا , والمرشد ثانيًا دليلًا على حذف المضل أولًا [1] . وعلى هذا يكون تقدير الآية:

من يهد الله فهو المهتد ولن تجد له مضلًا وغاويًا

ومن يضلل فهو الضال وان تجد له وليًا مرشدًا

... ولم يذكر في جانب المهتد عدم الضلالة , وذكرها في جانب الضال , وذلك لان من يهديه الله برحمته لا يستطيع أحد إضلاله , لأنه اصطفاه , ولم يذكر الضال في الجملة الثانية لغرض الإيجاز , لأن من يضله الله فهو الضال ولا هادي له .

... ولم يذكر لفظ الجلالة في الجملة الثانية إيجازًًا , ولتعليمنا الاحترام والأدب مع الله - - سبحانه وتعالى - - في عدم نسب الشر إليه, كما قالت الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} (الجن: 10) .

(1) =: نظم الدرر:12 / 29, وروح المعاني: 15 / 244.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت