فهرس الكتاب
... وجاء النظم الكريم في إسناد هداية البعض إلى الله مع انه أمر جميعهم بالهدى تنبيهًا للمشركين على إزالة شبهتهم في قوله تعالى على لسانهم: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إَلاَّ تَخْرُصُونَ } (الأنعام: 148) , بان الله بين لهم الهدى ,فاهتداء المهتدين بسبب بيانه , فهو الهادي لهم , وعبر في جانب الضلالة بـ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) , دون إسناد الفعل إلى الله-أبرزه في صورة الإضمار على شريطة التفسير [1] - ,أي أضل فريقًا منهم حقت لهم الضلالة , إشارة إلى أن الله لما نهاهم عن الضلالة كان تصميمهم عليها , إبقاء لضلالتهم السابقة (فحق عليهم الضلالة) , أي ثبتت ولم ترتفع, وذلك إشارة إلى أن إبقاء الضلالة عليهم من كسب أنفسهم [2] , وفيه اختصاص وتوكيد لتنقطع حجة المخالف ولا يقول بعدها: إن علم الله لا اثر له في ضلالتهم [3] .
... كذلك خولف بين الجملتين للإشعار بان ذلك كان نتيجةً لسوء اختيارهم , فلم يكن كلٌ من مشيئة الهداية وعدمها إلا حسبما حصل منهم من التوجه إلى الحق وعدمه , لا بطريق القسر والقوة والإلجاء , حتى يستدل بعدمهما على عدم تعلق مشيئته سبحانه بتوحيدهم له وهدايتهم [4] .
(1) الإضمار على شريطة التفسير: هو ترك الشيء استغناء بذكره في الثاني ,نحو أكرمني وأكرمت عبد الله , أي:أكرمني عبد الله وأكرمت عبد الله, =: معجم المصطلحات البلاغية وتطورها , احمد مطلوب:1/219 .
(2) =: التحرير والتنوير: 14 150 .
(3) =: إرشاد العقل السليم: 4 / 60 .
(4) =: م . ن: 4 / 60