فهرس الكتاب
... والله بعث الرسل للناس كافة ولكن منهم من يهتدي , ومنهم من لا يهتدي ,من ذلك مثلا قوم صالح , فان الله أرشدهم , ولكنهم اثروا العمى والضلال على الهدى والإبصار كما في قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ( فصلت: 17 ) , والهداية هنا بمعنى الإرشاد , والآية من الإحتباك كما ذكر البقاعي حيث إنَّ ذكر العمى أولا يدل على حذف ضده في الثاني وهو الإبصار , وذكر الهدى في الثاني يدل على حذف ضده في الأول وهو الضلال [1] , وكلٌ من المحذوف يدل على المذكور كما لا يخفى , فاثبت لهم العمى وحذف الضلال , لان العمى كان سببًا في ضلالهم , واثبت في الثاني الهدى لأهميته , ولعدم انتفاعهم بأبصارهم وبصيرتهم في معرفة الحق فضلوا , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:
وأما ثمودٌ فهديناهم فاستحبوا العمى والضلال
على الهدى والإبصار فأخذتهم صاعقة العذاب ...
رابعًا. الإيمان والكفر
تناول القرآن الكريم مسألتي الإيمان والكفر بوصفهما من المسائل المهمة وبخاصة في بداية الدعوة الإسلامية في عهدها المكي , فكان غالبًا ما يقابل بين الإيمان والكفر من خلال المؤمنين والكافرين واخذ بإبراز صفات هاتين الطائفتين من موقفهما من الدعوة , فبيّن أن طائفة المؤمنين هي التي صدقت وآمنت بهذه الدعوة , وبين منزلتها عنده - سبحانه وتعالى - ومالها من ثواب ، ووصفها بالأحياء في عدد من الآيات لأنهم استعملوا سمعهم وأبصارهم في التوصل إلى الحق , في مقابل الكافرين الذين اعرضوا عن هذه الدعوة وكذبوا بها واستكبروا واخذ بالتعريض بهم لأجل هذه المواقف وشبههم بالأموات.
(1) =: نظم الدرر: 24 / 167 .