فهرس الكتاب
... وتبرز في الآية شخصيتان , الأولى غنية أو ترى نفسها غنية , معرضة متولية وهي متمثلة في أكابر قريش , والأخرى فقيرة متعففة مقبلة , طالبة للإسلام , متواضعة وهي شخصية أبن أم مكتوم , ولكنه ذكر في جانب الكافر المعرض (الغنى) , في حين ذكر في مقابله في جانب ابن أم مكتوم (السعي والخشية) , وحذف من كلٍ ما ذكر في الآخر , فذكر في الجملة الأولى الغنى وحذف ضده وهو الفقر في الثانية , وذكر المجيء في الثانية وحذف ضده وهو التولي في الأولى [1] , وعلى هذا يكون تقدير الآية الكريمة:
أما من استغنى عنك وتولى فأنت له تصدى
وأما الفقير الذي جاءك يسعى فأنت عنه تلهى
... جاء النظم الكريم على صورة الإحتباك , ليفيد التحذير مما يدعو إليه الطابع البشري من الميل إلى الأغنياء , والتحذير من الاستهانة بحق الأتي مهما كان فقيرًا, عظامًا لمطلق إتيانه [2] . وقيل إنّ الاستغناء هنا ليس غنى المال بل من عد نفسه غنيًا عن هديك بأن اعرض عن قبوله, وذلك لأن المقام ليس مقام إيثار صاحب المال على الفقير [3] , والبادي أن كليهما يصح أن تؤول عليه الآية , غنى المال , والاستغناء عن الدعوة والذي نراه قريبًا هو غنى المال , لأنَّ الرسول في الآية دعا غنيًا معرضًا وترك فقيرًا مقبلًا , وهو حتى إن استغنى عن دعوة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهذا إنما كان بماله وجاهه وكبره , وهذا ما تدل عليه الحادثة , ومما يدل على ذلك أيضا أنه - - صلى الله عليه وسلم - - أنه بعد هذه الحادثة ما عبس ولا اعرض في وجه فقير قط ولا تصدى لغني [4] .
(1) =: نظم الدرر: 21 / 256 , وروح المعاني: 30 / 41 .
(2) =: نظم الدرر: 21 / 256 .
(3) =: التحرير والتنوير: 30/ 107 .
(4) =: روح المعاني: 30/41 .