الصفحة 73 من 236

وذكر أيضًا في مقابل الذين كفروا أن المؤمنين بإيمانهم وأعمالهم الصالحة أدخلهم الله في رحمته , وفي الجملة الأولى لم يذكر بما يقابل الرحمة -أي اللعنة - وإنما قال {أكفرتم بعد إيمانكم} توبيخًا لهم , ولبيان أن كفرهم وأعمالهم السيئة كانت سببًا في بعدهم عن رحمة الله وحصول اللعنة ودخول النار وخلودهم فيها .

... وابتدأ عند وصف اليوم بذكر البياض , وعند التفصيل بعد الإجمال قدم ذكر السواد ثم ختم بذكر البياض أيضا ,وذلك لعدة أسباب منها, أن البياض أكرم من السواد فقدم لشرفه [1] . وبما أن البياض علامة على رحمة الله للعبد يوم القيامة قدم للدلالة على أن رحمة الله سبقت غضبه وعقوبته , كما قال رب العزة في الحديث القدسي: (( سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي ) ) [2]

... ومن أسباب هذا الترتيب أيضا هو ليكون الابتداء والاختتام بما يسر الطبع ويشرح الصدر [3] . وذكر - سبحانه وتعالى - بعد { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} ما للطائفتين وابتدأ بالذين اسودت وجوههم فقال { يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ} , وذلك لزيادة وعيد الكافرين وإظهار الحسرة عليهم [4] .

وخص الوجه بالبياض دون سائر الجسد لأنه أول ما يرى من الإنسان , ولأنه اشرف الأعضاء في الجسد [5] .

(1) =: التفسير الكبير:8/187 .

(2) صحيح مسلم ، كتاب التوبة ، باب في سعة رحمة الله وأنها سبقت غضبه ، حديث رقم (2751) :4/ 2108 .

(3) =: التفسير الكبير:3/187 , والبحر المحيط:3/26, وروح المعاني: 4/25.

(4) =: أسرار ترتيب القرآن , جلال الدين السيوطي: 1 / 156 .

(5) =: البحر المحيط: 3/25 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت