فهرس الكتاب
ولا يخفى ما لجمالية الاستعارة التهكمية في قوله (فذوقوا العذاب) فهذا أمر إهانة, لأن أصل الذوق يكون باللسان [1] , فجاء الأمر بذوق العذاب وهم لا يطيقونه على وجه الإهانة والتهكم . ففي (ذوقوا) استعارة تبعية تخييلية, وفي (العذاب) استعارة مكنية من حيث أنه شبه العذاب بشيء يدرك بحاسة الأكل والذوق تصورا بصورة ما يذاق , واثبت له الذوق تخييلًا [2] .
... وأفاد الطباق بين (تبيض وتسود) و (اسودت وابيضت) في رسم صورة المؤمنين والكافرين وطريقة حشر كل ٌمنهم , فالمؤمنون يحشرون في أجمل صورة وأكرمها وأشرفها بيض تسر رؤيتهم , أما الكافرون فيساقون في أبشع صورة , فهم سود الوجوه أذلاء يوم القيامة .
وفي سورة عبس نعاين صفاتٍ أخرى في الوجوه ,وجوه المؤمنين ووجوه الكافرين , زاد فيها على بياض الوجوه النور والإشراق والضحك والاستبشار مما دل على الأمن والطمأنينة ذلك في قوله تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ} (عبس:38-39) كما أضاف إلى وجوه الكافرين المسودة غبارا دالًا على الكآبة واليأس والخوف في قوله تعالى {وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَة ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ} (عبس: 40-42) .
وأخفى ذكر المؤمنين بجانب الوجوه المسفرة , وذكر الكافرين في جانب الوجوه المسودة المغبرة , كما ذكر في الجملة الأولى الضحك والاستبشار ولم يذكر الخوف والذعر في الجملة الثانية , فوقع بذلك حذف من الطرفين على سبيل الإحتباك .
قال البقاعي: (( ذكر الإسفار أولًا يدل على الخوف والذعر ثانيًا , والغبرة ثانيًا للدلالة على حذف البياض والنور أولًا , وسر ذلك أنه ذكر دليل الراحة ودليل التعب لظهورهما ترغيبًا وترهيبًا ) ) [3] .
(1) =: زاد المسير: 1/ 436 .
(2) =: فتح البيان: 2/308 .
(3) نظم الدرر: 21/273.