الصفحة 77 من 236

وهذه الآية من الإحتباك , إذ إن ذكر النظر في الأول يدل على حذف ضده في الثاني , وذكر الفاقرة في الثاني يدل على حذف ضدها في الأول [1] . فحذف من الجملة الأولى الأمن لدلالة الخوف عليه في الثانية , وحذف من الثانية عدم النظر لدلالة النظر عليه في الأولى , وتقدير الآية:

وجوه يومئذ آمنة ناضرة إلى ربها ناظرة

ووجوه يومئذ باسرة غير ناظرة تظن أن يفعل بها فاقرة

... ومن بلاغة الإحتباك في هذه الآية أنه ذكر النظر إلى الله في الجملة الأولى من غير الأمن , لبيان وتعظيم هذه النعمة الكبيرة , فإذا كان نظر الله إلى العبد رحمةً منه , فكيف إن أكرمه وتفضل عليه بالنظر إليه , فهو لا يحتاج إلى ذكر الأمن لأنه بجواره سبحانه وتعالى , وذكر حال الكافرين وصورتهم و لم يذكر عدم نظرهم إلى الله , وذلك تحقيرًا لشأنهم , وتذليلًا لهم من أن مكانهم جهنم لا الجنة حتى يرونه سبحانه .

وفي الآية فن بلاغي هو (حسن التخلص) , فعندما وبخهم بحب العاجلة وترك الاهتمام بالآخرة في قوله تعالى: { كَلاّ بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) وَتَذَرُونَ الآخِرَةَ} (القيامة: 20-21) تخلص إلى شيء من أحوال الآخرة وصور الناس وحالهم بين شقي وسعيد [2] , وأفاد هذا التخلص من حالهم في الدنيا إلى حال الناس يوم القيامة الترهيب من شدة هذا اليوم وعذابه , وزجرًا لهذا العمل وتقبيحًا لهم , كما كان لذكر الوجوه المؤمنة مباشرة بعد قوله: {كلا بل ... .. وجوه يومئذ ناضرة ... } مع نعمة النظر لزيادة الحسرة عليهم .

وتنكير (وجوه) للتنويع والتقسيم , وفي تقديم شبه الجملة - الجار والمجرور - على عامله اهتمام بهذا العطاء العجيب وليس للاختصاص لأنهم يرون بهجات كثيرة في الجنة [3] .

(1) =: نظم الدرر: 21 / 107

(2) =: البحر المحيط: 8 / 380 .

(3) =: التحرير والتنوير: 29 / 352-353 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت