فهرس الكتاب
مشهدٌ آخر من مشاهد القيامة يصور النتائج التي يحصل عليها الناس هناك , فمن رجحت حسناته على سيئاته فاز ودخل الجنة , ومن رجحت سيئاته على حسناته هلك ودخل النار فالثقل في الآخرة لا يفيد إلا في الأعمال الصالحة الخالصة لوجهه الكريم , وجاء نظم الآية بصورة لطيفة وبإيجاز جميل في تصوير كلا الفريقين في هذا المشهد العظيم , حيث قابل بين (فهو في عيشة راضية) و (فأمه هاوية) , فلم يقل في مقابل الجملة الأولى فهو في عيشة ساخطة , ولا في مقابل الجملة الثانية فأمه عالية , إنما جاء النظم الكريم على سبيل الإحتباك ,فحذف من كل طرف ما هو ضد الآخر . فحذف من الأول (فأمه عالية) لدلالة ضده عليه في الثاني وهو (فأمه هاوية) , وحذف من الثاني فهو (في عيشة ساخطة) لدلالة ضده عليه في الأول وهو (في عيشة راضية) [1] . فوقع بهذا حذف من الطرفين ودل بالمذكور على المحذوف في كل منهما , وعليه يكون التقدير:
فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية وأمه جنة عالية وأما من خفت
موازينه فهو في عيشة ساخطة وأمه هاوية وما أدراك ماهية نار حامية .
ووصفت المعيشة بـ (الراضية) على طريقة المجاز العقلي بعلاقة السببية أو الزمانية , سببية لأن المعيشة سبب الرضى , أو زمانية لأنها زمان الرضى [2] , فنقلت (راضية) من الذي يملك رضىً وعقلًا إلى من لا يملكها [3] , وفي التعبير بالمجاز إيماء إلى أن هذه الحياة (الجنة) هي نفسها راضية عن الإنسان الذي يسكنها لأنه أهلٌ لها, ولأنه عمل وجاهد في الدنيا من اجلها فتكون النتيجة هي راضية به ساكنًا ومقيمًا بها وهو راض بها سكنا ً وإقامة .
(1) =: حاشية الصاوي:4/348 , وفتح البيان: 15/361 ,وصفوة التفاسير:3 / 1716.
(2) التحرير والتنوير: 30/514 .
(3) =: المنتخب من تفسير الشعراوي: 1/201 .