الصفحة 83 من 236

ويلاحظ في الآية أنه ذكر إتيان الكتاب باليمين أولًا , ولم يذكر إتيان الكتاب بالشمال كما ورد في سورة الحاقة: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ } (الحاقة:25) , فافهم أنه يأخذ كتابه بشماله , وذكر في الثانية أن كتابه يأتيه من وراء ظهره , ويفهم منه أن الأول يأتيه كتابه من أمامه فوقع حذف من الطرفين على سبيل الإحتباك إذ إن ذكر الإتيان باليمين أولًا يدل على إتيان الكتاب بالشمال ثانيًا, وذكر إتيانه من وراء ظهره ثانيًا يدل على إتيانه من أمامه أولًا , وسره أنه ذكر دليل المودة والرفق والمصافحة وغيرها في المؤمن السعيد, ودليل الغدر والاغتيال والخيانة في الشقي [1] . وعليه يكون تقدير الآية:

فأما من أوتي كتابه بيمينه من أمامه فسوف يحاسب حسابًا يسيرًا

وأما من أوتي كتابه بشماله من وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا

وذكر اليمين في جانب المؤمن لأنها الأصل في كل خير , وذكر الوراء في جانب الشقي تحقيرًا له وتهكمًا به ، فالآية تصوره وهو مرتقبٌ حذرٌ ينتظرُ كتابه, فإذا به يأتيه من خلفه فيفزع ويصرخ بعد أن يعلم النتيجة [2] , ولان يد الكافر اليمنى تغل يوم القيامة إلى عنقه , فيؤتاه بشماله من وراء ظهره [3] .

وفي الآية استعارة تمثيلية في قوله تعالى { وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا} تكمن في تمثيل حال المحاسب حسابا يسيرًا, في المسرة والفوز بعد الإيمان والعمل الصالح في الدنيا ,بحال المسافر لتجارةٍ حين يرجع إلى أهله سالمًا رابحًا ,لما في الهيئة المشبه بها من وفرة المسرة بالفوز والربح والسلامة ولقاء الأهل وكلهم في مسرة ,فلذلك وجه الشبه بين الهيأتين هو السرور المألوف للمخاطبين [4] .

(1) نظم الدرر: 21/ 343 .

(2) =: التفسير الكبير:31 /107 .

(3) =: معاني القرآن, أبو زكريا الفراء ( 207هـ) : 3 /250.

(4) =: التحرير والتنوير: 30 / 223 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت