الصفحة 89 من 236

وبلاغة هذا الفن في الآية تكمن في الاعتناء بشأن المؤمنين , لأن الأمن من العذاب أعم وأشمل وأهم , ولذا ذكر في الأول الإلقاء في النار الذي يدل على القهر والقسر, والإتيان في الثاني الذي يدل على الاختيار , والرضا مع الأمن ودخول الجنة لا تنفي أن يبدل حالهم بعد خوفهم أمنًا [1] . كما يتضمن نظم الآية دلالة يتجلى فيها الترغيب والترهيب, حيث يصور الكافر وهو يلقى في النار كما يلقى الشيء الذي لا قيمة له , إهمالًا وتحقيرًا له , وفي بناء الفعل للمجهول (يلقى) دلالة الخوف حيث أنَّه يخطف من حيث لا يدري ويقذف في النار , وفي هذا يكمن ذل الكافر وهوانه في ذلك اليوم , في مقابل ما يناله المؤمن بما تتمناه النفس دائمًا في الدنيا والآخرة وهو (الأمن) , فبوجوده تنعم البشرية بكل شيء وبزواله لا تتلذذ بكل ما يتوفر لها من النعم والرفاه -كما هو حالنا اليوم -, كما أن صيغة (أمِنًا) - الاسمية - توحي بأن الأمر تم وانتهى وثبت , وأنهم اتصفوا بهذه الصفة ونالوا هذا الوعد , في حين أثرّ التعبير في جانب الكافر استعمال صيغة المضارع (يلقى) لتركيز الاهتمام على الحدث بصرف النظر عن محدثه , كما تدل على القدرة العظيمة لله عز وجل فضلًا عن التمكن [2] .

ومن خلال هذا العرض يمكن أن نلاحظ كيف أنَّ القرآن الكريم رسم الصورتين في أجمل نظم , فمع قربهما فالفريقان يتباعدان كل البعد عن الآخر [3] .

ب. الحشر إلى الجنة والسوق إلى جهنم

{يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا 85} وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (مريم:85-86) .

(1) = روح المعاني: 24/127.

(2) =: سور الحواميم دراسة بلاغية تحليلية: 317.

(3) النكت في إعجاز القرآن ، الرماني: 108.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت