لقد دلَّ علم أسباب الأمراض أن مصادر الأمراض المعدية إما أن تكون محصورة في نطاق محدود ضيق, وإما أن تنتشر في نطاق كبير واسع لتصيب أعدادًا كبيرة من البشر في وقت واحد، وتسبب مرضًا وبائيًا. وقد تمكن علماء العصر الحديث من وضع التعليمات والإرشادات التي توضح كيفية التعامل مع المرضى المصابين بالأمراض المعدية والمصابين بالأمراض الوبائية الفتاكة, وذلك بعد أن عرفوا مصادر الأمراض بشكل دقيق, ومن الإعجاز النبوي أننا نجد أن الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - قد أخبرنا عن بعض هذه الاكتشافات الحديثة, بل وقد عرَّفنا كيف نتعامل التعامل الصحيح الصريح الذي يحول دون انتقال العدوى من المرضى إلى غيرهم, وذلك قبل أن يكتشف هذه الأمور علماء العصر الحديث [1] .
والتأمل في دعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لتصحيح المدينة لنقل حُمّاها إلى أماكن أخرى لتكون مدينة صحية تخلو من مصادر الأمراض البيئية يكشف أيضًا عن جوانب أخرى من الإعجاز العلمي.
وجوانب الإعجاز الذي سيتناوله هذا البحث تتعلق بالوباء والحمى, والحكمة في دعاء الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنقلها, واختيار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفظات الُجْحَفة، ومَهْيَعَة، وخُمّ كإشارة إلى أماكن ُينقل إليها الوباء.
لقد ذكر الحافظ ابن حجر [2] رحمه الله أنه بفضل دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، وكان منع دخول الطاعون المدينة من خصائص المدينة ولوازم دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لها بالصحة.
(1) عبد البديع حمزة زللي. الإعجاز العلمي في لفظتي المريض والممرض في الأحاديث النبوية الشريفة,مجلة بحوث ودراسات المدينة المنورة, العدد26: 185-206 (1429هـ) .
(2) فتح الباري لابن حجر 10/191.