ميدان الاختلافات:
يقول الدكتور البيانوني في كتابه القيم الاختلافات العلمية: قد اقتضت حكمة الشارع أن يأتي الدليل الشرعي صريحا قاطعا في أمهات المسائل الشرعية ، والأصول العلمية ، درءً المفسدة الخلاف فيها ، والافتراق حولها ، وأن يأتي الدليل الشرعي غالبا محتملا ظنيا في المسائل الفرعية ، والفروع العملية ، تحقيقا لمصلحة إعمال الرأي والاجتهاد فيها . وفي بيان هذه الحقيقة يقول الإمام ابن حزم: وأكثر افتراق أهل السنّة في الفُتْيا ، ونبذ يسيرة في الاعتقادات . ويقول الإمام المحلاوي في كتابه تسهيل الوصول نقلا عن الإمام الزركشي: اعلم أن الله تعالي لم ينصب علي جميع الأحكام الشرعية أدلة قاطعة ، بل جعلها ظنية قصدًا للتوسيع علي المكلفين لئلا ينحصروا في مذهب واحد لقيام الدليل القاطع .
وذلك لأن الله بحكمته جعل معظم أدلة العقيدة صريحة الدلالة علي المراد منها مما يقلل ويضيق ميدان الاجتهاد فيها ، خلافا لأدلة الفقه ، فإنه جعل معظمها ظنيا محتملا للمعاني والأقوال المتعددة ، لما اقتضته طبيعة الحياة العملية من خلاف وسعة في الجزيئات ويقول الإمام ابن تيمية في الفتاوى ، واتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها علي إقرار كل فريق للفريق الآخر ، علي العمل باجتهادهم ، كمسائل في العبادات ، والمناكح ، والمواريث ، والعطاء ، والسياسة ، وغير ذلك . ثم قال: وهذه المسائل منها أحد ما القولين خطأ ، ومنها ما المصيب في نفس الأمر واحد عند الجمهور أتباع السلف ، والآخر مُؤَدَّ لما وجب عليه بحسن قوة إدراكه ، ومن الناس من يجعل الجميع مصيبين ، ومذهب أهل السنة والجماعة: أنه لا إثم علي من اجتهد ، وإن أخطأ . انتهي من الجزء 19/123