يتبين أن ميدان الاختلاف العلمي بين العلماء هو الأدلة الظنية ، إذ أخذ كل منهم بما ارتضاه ووصل إليه اجتهاده ، مع احترامهم لأداء الآخرين ولو كانوا مخطئين في اجتهادهم ، وقال سفيان الثوري رحمه الله: ما اختلف فيه الفقهاء ، فلا أنهي أحدا من إخواني أن يأخذ به . ويقول الدكتور البيانوني: ذلك لأن محور الخلاف قائم علي طبيعة دليل المسألة العلمية ، من قطعية أو ظنية ، فما كان دليلها قطعيا ثبوتا ودلالة ، لم يجر فيه الخلاف أبدا ، وما كان دليلها ظنيا ثبوتا دلالة ، أو ظنيا في أحدهما ، جري فيها الخلاف ، وهو مقبول من صاحبه أصاب فيه أو أخطأ ، مادام صادرا عن أهل العلم والاجتهاد في المسألة .
ويقول: اقتضت حكمة الله تعالي في شرعه ، أن يكون كثير من نصوص القرآن والسنة محتملة لأكثر من معني واحد ، إذ أنزل القرآن الكريم بلسان عربي مبين ، واحتمال الألفاظ في اللغة العربية أمر مسلّم به مما تمتاز به لغتنا عن اللغات الأخرى ، كما اقتضت حكمته في خلقه ، أن يجعلهم متفاوتين في عقولهم ومداركهم ليكون ميدان التفاضل والتمايز بالعلم والعقل . ولا يشك عاقل بأن هذين الأصلين إنما يؤديان إلي نتيجة حتمية بَدَهِيَّة وهي الاختلاف في الآراء والأحكام ، فهي طبقا للمعادلة:
نصوص محتملة + عقول وأفهام متفاوتة = آراء مختلفة .