الصفحة 10 من 442

تمهيد: مما لاشك فيه أن الآراء النقدية والبلاغية، التي تزخر بها كتب النقد والبلاغة آراء قيمة، وتنطلق من مبادئ نقدية سليمة، إلا أن أصحابها لم يستطيعوا استثمار هذه الآراء في تكوين نظرية متكاملة للتعامل مع النص الأدبي وأبعاده الفنية. لقد استأثر العمل الأدبي باهتمام وعناية نقادنا وبلاغيينا منذ أربعة عشر قرنا من الزمان ، وهي عناية جاءت في شكل مقولات موزعة في بطون كتب التاريخ والأدب أولا ، ثم في كتب النقد والبلاغة في عصور متأخرة ثانيا ، ونحن لا نسعى إلى حصرها أو تتبعها ؛ لأن ذلك يبتعد بالبحث عن غايته التي من أجلها أجرى ، وهي التركيز على القضايا البلاغية والأسلوبية عند الإمام أبي يعقوب السكاكي . ولكن هذا ليمنع أن نشير بإيجاز إلى تلك الاهتمامات ، لندلل على أن هناك بذورا حداثية في تراثنا النقدي تحتاج إلى من يفض أسرارها ، وينفض التراب عن وجهها اللامع . لقد انصب اهتمام النقاد القدماء على ركائز أساسية في العمل الأدبي لابتعد عن الركائز التي انطلقت منها الدراسات الأسلوبية الحديثة ، وهي المبدع والمتلقي والنص ، فمنذ البدايات الأولى التفت النقاد إلى دور المبدع في عملية الخلق الأدبي - وبخاصة الشعري - وتناولوا صدق تجربته وأثرها في إقناع السامع وإمتاعه . حقا إننا لا نزعم بأن هناك نظرة متكاملة وشاملة حول دور المبدع في عملية الإنتاج، ولكن هناك إشارات توحي بأن المبدع، كطرف في عملية الإنتاج، كان واضحا في أذهان النقاد والبلاغيين إن لم يكن بالفعل فبالقوة. فأبو هلال العسكري يعرف البلاغة تعريفا دقيقا يكشف عن قدرة المبدع في التأثير على المتلقي، تلك القدرة التي تتجلى في استخدامه لوسائل تعبيرية وبلاغية محددة ، تساهم في نقل رسالته اللغوية في صورتها الانفعالية القائمة في نفسه"البلاغة كل ما تبلغ به المعنى قلب السامع فتمكنه في نفسه لتمكنه في نفسك ، مع صورة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت