فهرس الكتاب
وفي الواقع أن انحراف لغة الشعر يتمثل في جوهره في مجاوزة المعاني الأولية المألوفة بأنماطها التركيبية المعتادة ، إلى معان جديدة متولدة من الوضع الجديد القائم في الصياغة . ولكن ما إن يتحقق ذلك حتى يصبح جزءا من بناء اللغة ونظامها المفروض الذي ينبغي للشعر أن يتجاوزه مرة أخرى ويخرقه ، كي يضمن استمراره وبقاءه ، ويحتفظ لنفسه بخصوصية لغته وحيويتها وطرافتها فـ"هذه الحركة المتذبذبة التي تتأرجح بين فقدان المعنى المألوف وتركيب المعنى الجديد ، ثم تعود لفقدانه ، وهكذا .... تمثل المحور الأساسي للصورة الشعرية الحديثة وتمثل بالتالي شعرية الشعر وخاصيته المميزة ?" [1] . وإذا كانت الملامح التعبيرية البارزة في الصياغة الأدبية ، تمثل جوهر الوظيفة الشعرية ، بما تحمله من طاقات دلالية وتأثيرية فياضة ، فإن تناولنا لهذه القضايا والملامح ، عند السكاكي ، يعد ترسيخا لمفاهيم الشعرية الحديثة ، كما تجلت عند"جاكوبسون"و"تودوروف"وغيرهما ، وفي الوقت نفسه نستطيع أن نلقي الضوء على فهم السكاكي لأصول الشعرية الحديثة ،ووعيه بوظيفتها في النسيج اللغوي بصفة عامة
ونحن إذ نتعرض لهذه الظواهر التعبيرية البلاغية ، فإننا سنكشف عنها في مستوياتها المختلفة ، سواء أكان على مستوى البنى العميقة والسطحية ، أم على مستوى البنى المجازية أم على مستوى الأصوات والكلمات ، أم العلاقات بين العناصر التركيبية ، لذلك سأتناول كل مستوى من هذه المستويات في مبحث مستقل يتضمن عدة ظواهر متقاربة الطبيعة والوظيفة .
المبحث الثاني: فضاء النص
(1) - نظرية البنائية: 381 .