فهرس الكتاب
إذًا انصب اهتمام القدماء بالمتلقي ، على أنه مستقبل للعمل الأدبي ليس غير ، وأن قيمة العمل ترتبط بمدى انفعال المتلقي به ، ورضاه عنه ، أو نفوره منه ، وأن المبدع محكوم برغبات المتلقي وحالته ، بل إن الجاحظ يرى أن المتلقي هو الذي يمنح العمل الأدبي وجوده ، فهو المرآة التي تنعكس عليها قيمة العمل الأدبي ، وأي مبدع لا يمتلك القدرة على إنتاج صورة حسنة لعمله في ذهن متلقيه ، فهو محكوم عليه بالموت فنيا"فإن أردت أن تتكلف هذه الصناعة ، وتنسب إلى هذا الأدب ، فقرضت قصيدة أو حبرت خطبة أو ألفت رسالة ، فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك ويدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدعيه ، ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو أشعار أو خطب ، فإن رأيت الأسماع تصغي له والعيون تُحدّج إليه ، ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله ، فإن كان ذلك في ابتداء أمرك وفي أول تكلفك ، فلم تر له طالبا ولا مستحسنا ، فلعله أن يكون - مادام ريضا قضيبا - تعنيسا * ، أن يحل عندهم محل المتروك ، فإن عاودت أمثال ذلك مرارا فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهية فخذ في غير هذه الصناعة ، واجعل رائدك الذي لا يكذبك حرصهم عليه أو زهدهم فيه" [1] .
(1) - البيان والتبين , أبو عثمان الجاحظ , تحقيق حسن السندوبي دار المعارف بتونس ط1 جـ 1 , 1990: 175 .
* - قضيبا: لم يتم كماله ، تعنيسا: فات وقته .