الصفحة 16 من 442

والأمر ليس موقوفا على النقاد والبلاغيين في التركيز على دور المتلقي في تحقيق وجود النص ، وإنما نجد ملاحظات كثيرة لدى المبدعين أنفسهم ، تدل على أن المتلقي حاضر في أذهانهم قبل عملية الإبداع وأثنائها ، وأن الخطاب مرهون وجوده بكفاءة المتلقي ورغبته ، قيل لبشار بن برد"إنك لتجيء بالشيء الهجين المتفاوت قال: وما ذاك ، قلت: بينما تقول شعرا تثير به النقع وتخلع به القلوب مثل قولك: إذا ما غضبنا غضبةً مُضريَّة هتكنا حجاب الشمس أو تمطر الدَّما إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلة ذُرَى منبر صلَّى علينا وسلماتقول: ربابة ربَّة البيت تصبُّ الخلَّ في الزيت لها عشرُ دجاجات وديكٌ حسن الصوتفقال: لكلًّ وجهٌ وموضع ، فالقول الأول جد وهذا قلته في ربابة جاريتي ... فهذا عندها من قولى أحسن من ،"قفانبك من ذكرى حبيب ومنزل"، عندك" [1] . من هنا نرى أن المبدعين قبل النقاد كانوا يراعون المقام الذي يقال فيه الكلام ، وأصبحت مقولة"لكل مقام مقال"أشبه بالمسلمة عند معظم النقاد والبلاغيين ، حتى دخلت في تحديد كثير من مفاهيمهم البلاغية ، وهي المقولة التي تتردد بصورة أو بأخرى في الدراسات النقدية الحديثة .

(1) - كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني , مطبعة دار الكتب المصرية ط 1 , حـ 3 , 1929 م: 162 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت