الصفحة 17 من 442

وكما أن النقد القديم يحرص على مراعاة المقام الذي يلقى فيه الخطاب ، والحال التي تصاحب المتلقي ، فإنه كذلك كان يحرص كل الحرص ، على تحقيق المتعة الفنية لدى المتلقي ، مما يؤكد اهتمامهم بحاجته إلى الفائدة والإمتاع ، فعبد القاهر الجرجاني يشترط في جماليات النص الأدبي أن يميل إلى اللطافة ، وإلى تغليف المعنى بشيء من الغموض والخفاء كي يشحذ همة المتلقي ، ويدفعه إلى الغوص وراء مكنونه ، ففي ذلك فائدة في إمتاع المتلقي ، ودمجه في جوهر العمل الذي بين يديه ، يقول:"إن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه ، ومعاناة الحنين نحوه كان نيله أحلى ، وبالميزة أولى ، فكان موقعه من النفس أجل وألطف" [1] . وكأن عبد القاهر في مقولته هذه يبحث عن الدور الإيجابي للمتلقي الذي تغيب في الدراسات السابقة عليه ، بحيث لا يكون موقفه من النص موقفا سلبيا استهلاكيا وإنما ينبغي عليه أن يشارك في إنتاج النص المقروء ، بالتعمق في دلالته ، والكشف عن علاقاته النحوية والبلاغية ، التي جعلت منه نصا أدبيا ممتعا ، وبتعمقه لهذه الجوانب يستطيع أن يتكشف مواطن جديدة ، قد لا تخطر على بال صاحبها عند الإنتاج ، بل إن استخدام الأساليب الإنشائية بصفة خاصة في العمل الأدبي إنما هو دعوة إلى هذه المشاركة ، ورغبة في مساهمته بملء الفراغ الدلالي الذي تركه المبدع من أجله ، تلك المساهمات التي يضفيها على النص للوصول إلى الناتج الحقيقي ، وإعطائه الشكل النهائي الذي يسعى إليه كل من المبدع والمتلقي معا .

(1) - أسرار البلاغة , عبد القاهر الجرجاني , تحقيق السيد محمد رشيد رضا والشيخ أسامة صلاح الدين منيمنة , دار إحياء العلوم , بيروت , ط 1 , 1992 م: 192 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت